الفصل الأوّل ( 10 ) في الأقانيم الثّلاثة الأصليّة
1 ما عسى أن يكون ذلك الذي جعل النّفوس ينسين الإله أباهنّ ويجهلن ذواتهنّ ويجهلنه معا وهنّ اللواتي جئن من الملأ الأعلى وهنّ أجزاء منه ومنه جميعا ؟ إنّ الشّرّ الذي لحق إنّما يعود أصلا إلى جسارتهنّ ودخولهنّ في عالم الصّيرورة وخطوتهنّ الأولى في الغيريّة وإرادتهنّ أن تنفر كلّ منهنّ بذاتها . فملك الفرح عليهنّ أمرهنّ / لدى استقلالهنّ بذواتهنّ بعد ما ظهرن عليه ، وأخذن يتحرّكن من تلقاء ذواتهنّ مفرطات في انقيادهنّ لذلك . فجرين في جهة معاكسة وأبعدن في جريهنّ وأصبحن جاهلات كونهنّ من الملأ الأعلى . كذلك الصّبيان إن نزعوا نورا من آبائهم وأبعدوا عنهم طيلة نشأتهم يجهلون ذواتهم كما أنّهم يجهلون آباءهم . / فإنّ النّفوس لا يشاهدن أباهنّ ولا يشاهدن ذواتهنّ ، ويحتقرن ذواتهنّ لجهلهنّ بجنسهنّ ، فجللن الأمور الأخرى وكنّ أشدّ إعجابا بالأشياء كلها منهنّ بهنّ . ثمّ إن وجدن أمام هذه الأشياء خرجن عن أطوارهنّ وأخذهنّ الاندهاش وتمسّكن بها فيقطعن ، بقدر ما بوسعهنّ ، كلّ صلة بينهنّ وبين ما أدبرن عنه محتقرات . / فلا غرو إن كان سبب جهلهنّ التامّ للملأ الأعلى إحلالهنّ للدّنيويّات واحتقارهنّ لذواتهنّ . إنّ الذي يجدّ في إثر شيء آخر معجبا به يسلّم في الوقت ذاته بأنّه أحطّ من هذا الشّيء مقاما . فلن يستطيع يوما أن يخلد في باطنه إلى الإله في حقيقته وإلى قدرته إن جعل ذاته دون ممّا يصير ويزول ، / وتصوّرها أحطّ شأنا وأسرع فناء ممّا يجلّه ويكرّمه . ولذلك يجب أن نتقيّد بوجهين من الكلام مع هؤلاء الذين يكونون على هذه الحال ، إن شئنا أن نردّهم إلى خلاف ما هم عليه وأن نسوقهم إلى الأوّليّات حتّى ننتهي بهم إلى الذّروة ، أعني الواحد والأوّل .
وما عسى أن يكون هذان الوجهان ؟ الأوّل أن نبيّن حقارة / ما تجلّه النّفس الآن ، وهو كلام سنعود إليه في مقام آخر ونشبعه بحثا . والوجه الثاني هو أن ننبّه النّفس ونذكّرها أيّ جنس جنسها وأيّة كرامة كرامتها . ولهذا الوجه حقّ التّقدّم على الأوّل ، فإذا وضح واستبان كشف عن الأوّل وبيّنه . فهو الذي يجب القول فيه الآن ، إذ إنّه قريب من الشّيء الذي نبحث عنه ، وهو قبل العمل الذي يؤدّي إلى هذا الشّيء . فإنّ الذي يبحث إنّما هي / النّفس . فلا بدّ لها من أن تعرف ذاتها ،