فعل . فضلا على أن الفعل والانفعال / أمران لا بدّ منهما أزلا بحكم الطبيعة ؛ ثم إن الشيء الذي يقع إنما يكون ماضيا في طريقه لسدّ حاجة شيء آخر ، فينحدر الأول مما يقوم فوق الثاني . وما دام الأمر كذلك ، فإن قولنا في الشيء الواقع أن الإله هو الذي يدفعه ليس قولا فيه تناقض مع الحق أو يجعلنا في تناقض مع ذواتنا . فإنّا نردّ الشيء حتى في أقاصي حدوده ، إلى الأصل الذي انبعث منه ، ولو توسّط الطرفين حدود كثيرة . / أما الخطيئة فخطيئتان : خطيئة هي قدسية الذات تذمّ النفس عليه ، وخطيئة قائمة على ارتكاب السيئات في هذا العالم . فالأولى إنما هي الحال الذي أخذ يلابس النفس بعد هبوطها . والقدر الأقل من الثانية إنما هو انتقال النفس من بدن إلى بدن وذلك قبل الأوان ، على أن يكون هذا الانتقال تنفيذ حكم يتعلّق بالاستحقاق ، / وعلى أن هذه اللفظة « حكم » تدل على أن الشيء إنما يجري بأمر الهي . أما الإباحية في الشر ، فإنها أهل لعقاب أعظم يشرف عليه الجن الناقمون . فعلى هذا الوجه دخلت النفس في البدن ، على الرغم من كونها أمرا ربانيا ومن الملأ الأعلى . أجل ، إنها ، هي الإله المتأخّر مقاما ، جاءت إلى هاهنا طوع ارادتها ، / لتستخدم قوتها وتجعل النظام في ما يليها . وإن لم تلبث حتى تقفل هاربة ، فإنها لا ينالها ضرر ، إذ إنها تكون قد استفادت معرفة الشر ، وعلمت طبيعة الرذيلة ما هي وأظهرت قواها وأثبتت إن لها فعلا وضعا . وهي كلها / أمور تبقى ساكنة في العالم المنزّه عن الجسمية ، ويكون وجودها عبثا لا نفع فيه ما دامت على حالها ولم تنتقل إلى حيّز التحقيق . بل إن النفس ذاتها تغفل عما لديها ما لم يظهر ويتّخذ له منها مخرجا . ولا غرو إن كان الفعل هو الذي يبرز القوة دائما بعد أن كانت محجوبة كلها وكأنها مطموسة لا كيان لها ما دام لم يتسنّ لها أن تكون حقا . / فالواقع هو أن العجب إنما يملك علينا أمرنا أمام بواطن العالم لما نشاهده من الاختلافات في ظواهره ، وهي بادية من آثاره الأنيقة في إخراجها .
6 يجب في الواحد الّا يكون وحده . لأنه لو كان وحده لغدت الأشياء كلها مخفية معالمها ما دام أنها ليس لها فيه شكل ولا هيئة . ثم إنه لو كان قائما وحده مع ذاته في ذاته لما وجد شيء من الأشياء . كما إن جملة هذه الأشياء التي نشأت عن الواحد لم تكن ما لم تلها تلك الأمور التي شقّت لها مخرجا منه واتخذت لها مقام النفوس / مقاما . وكذلك القول في النفوس : كان يجب فيها الّا تكون وحدها بدون أن يظهر ما حدث بوساطتها . فإن في كل طبيعة استعدادا لصنع ما يليها يتطور كأنه ينبعث من بذر ويخرج من أصل لا يتجزّأ فينطلق حتى يدرك نهايته في المحسوس . أما الطرف الأول فيبقى في مقامه الخاص ، / أما ما يليه فكأنه انتاج قوة تفوق كل وصف ، وهي كامنة بعظمتها في الأشياء . فيجب في هذه القوة الّا تبقى جامدة وكأنها الأشياء تنقاد للجسد فتحبسها ، بل تستمرّ ماضية حتى تدرك حدّ طاقتها الأقصى وتشمل الحقائق
تاسوعات أفلوطين — صفحة 412
مساهمون: أفلوطين
ص٤١٢