الأشغال الكثيرة همها ، ولا تنظر إلّا إلى الجزء ، / ويؤدّي بها انفصالها عن الكل إلى أن تقع على شيء واحد فارّة من كل ما سواه . فتقبل عليه وتلتفت إليه وهو شيء تتدافعه الأشياء الأخرى كلها . أجل لقد ابتعدت عن الكل ، وها هي ذي الآن يشقّ عليها تدبير ذلك الشيء الجزئي فتتصل بما هو خارج عنها وتعالجه وتحضر إليه ، / وتتجاوز في غوصها إلى بواطنه الحدّ اللائق بها . هذا ما أدّى بها إلى أن يسمّى فقدان ريشها ، وإلى تكبيلها بقيود البدن . لقد سلبت حال البراءة الذي كانت عليه وهي منصرفة إلى تدبير العالم الأشرف ، وهو حال كانت تكفلها لها النفس الكلية .
وما كان أحسنه من حال ترتقي صعدا وهي عليه . لقد سقطت إذا ، / وها هي الآن مكبّلة بالقيود ، تلجأ إلى الإحساس في عملها لأنها حيل بينها وبين أن تقوم به منطلقة من الروح . ويقال فيها آنذاك أنها في قبر مدفونة ، وفي كهف محجوبة . لكنها إذا التفتت إلى العرفان تريده ، إنما تتخلّص من قيودها فتعود وترتقي إذا انطلقت من الذكرى لمشاهدة الحقائق . / فإنها ، مهما كان حالها ، لا تزال تنطوي من وجه ما على شيء من أصلها الفائق . فكأنما للنفوس الجزئية نمطا من الحياة ، إذ أنها ، بحكم الضرورة ، تحيا بالتناوب حياة الملأ الأعلى وحياة هذا العالم . فمن يسعها منها أن تزداد اتصالا بالروح ، تزداد لديها حياة الملأ الأعلى ؛ ثم تكون حياة هذا العالم هي الراجحة لدى النفوس التي تزول بها غير ما فيه تلك الزيادة ، أو بالطبع أو بالمصادفات . هذا ما يدلّ عليه أفلاطون تلويحا / إذ يميّز في كأس المزيج الأخيرة بعض ما يدخل في تكوين النفوس من بعضه الآخر ، ويقسّمه إلى أجزاء . فيقول إنه لا بدّ للنفس حتى تنشأ من أن يؤلّف بين أجزائها على وجه معيّن . وإن قال في النفوس أن الاله يذرؤها ذرءا ، فيجب في هذا القول أن يفهم بمعنى أن فيلسوفنا يجعل الإله في منزلة المتكلّم أو الخطيب . ذلك لأن معالجته لموضوعه هي التي تحكم عليه بأن يتصوّر حادثا ومصنوعا كلّ ما تنطوي الأشياء عليه في فطرتها . /
فيضطره البيان والتوضيح إلى أن يسوق بالتوالي ذكر أمور هي دائما وأزلا معا على حال واحد ، الذي يصير منها ويتحوّل والذي يكون حقا ولا يتغيّر .
5 ليس خلاف في المعنى بين العبارات التالية إذا : زرع النفوس في عالم الصيرورة ، وسقوطها ليكون العالم الكلي كاملا ، العقاب ، الكهف ، الكراهية ، والطواعية ما دامت الكراهية تتضمن الطواعية ، الوجود في البدن على أنه حال سوء . كما إنه ليس من خلاف في قول انباذقليس في النفي الذي لا يبعد عن الإله ، وفي التبيان ، / وفي الخطيئة التي يترتّب العقاب عليها ؛ ولا في قول هرقليطس عن الاطمئنان في حال الفرار . لا وليس في الطواعية مع السقوط تناقض للكراهية بوجه عام . أجل ، كل سقوط في الشر إنما يتم عن كراهية . لكن الواقع في الشر مندفعا بحركة من تلقاء ذاته إنما يقال فيه على الأقل إنه ينال العقاب المترتّب على ما
تاسوعات أفلوطين — صفحة 411
مساهمون: أفلوطين
ص٤١١