تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاسوعات أفلوطين — صفحة 409

مساهمون:

ص٤٠٩
تدخل في الأبدان ، أو أن تكون خاصة بدن ما ، فإنها تغدو مثل نفس العالم الكلي وتشاركها بسهولة في سياسته . ذلك لأن النفي لا ينالها ضرر في كل حال إذا كفلت للجسم / القوة على أن يكون وعلى أن يستوي في العافية . فإن العناية بما هو في الدون لا تحرم صاحبها دائما من أن يبقى في مقامه الشريف الفاضل . فإن للعناية بالكل وجهين : عناية يدبّر الكل الشامل بها أموره ، ويأمر ساكنا مطمئنا كالملك يفرض سلطته ؛ وعناية يتخلّل فيها بعض الجزئيات بعضها الآخر ، وهي عناية يقوم بها الصانع الجزئي ذاته بملامسة الشيء المصنوع ، / فيمتلئ الصانع بطبيعة المصنوع ويتطبّع بها . هذا وإنّا نقول في النفس الإلهية إنها تسوس السماء كلها على الوجه الأول دائما . فإنها تشرف على العالم بأشرف جزء من أجزائها وتبعث إلى بواطنه آخر قوة من قواها . فلا يستنكر من الإله أنه جعل نفس الكل في مقام سفلي . / ثم إن النفس لم تحرم مما يوافق طبعها ، بل إنها حاصلة عليه أزلا وسيدوم لها . بل يستحيل في هذا الحال أن يتنافى مع طبعها ما دام هو لم ينقطع عنها ، وهو متوافر لها دائما وليس لكونها عليه بداية . هذا ويقول أفلاطون أيضا في نفوس الكواكب إنها من أجسامها مثلما أن النفس الكلية من العالم الكلي ، / إذ إنه يجعل أجسام الكواكب داخلة في دورات النفس . الأمر الذي يؤدي به إلى أن يحفظ لهذه الكواكب السعادة اللائقة بها . ولا غرو ، فإن اتصال النفس بالجسم يصبح أمرا شاقّا لسببين : الأول منهما هو أن هذا الاتصال يحول دون العرفان ، والآخر هو أن يملأ النفس باللذات / والشهوات والآلام . وليس للأمرين كليهما سبيل إلى نفس الكواكب . فإنها لا تغوص إلى باطن الجسم فيغمرها ، وليست خاصة جسم معيّن ؛ كما إنها ليست هي للجسم ، بل إن الجسم هو الذي يكون لها . وهو جسم لا يحتاج إلى شيء ولا ينقصه شيء ، فلا يخشى على النفس من أن تملك الشهوات والمخاوف عليها أمرها . / فإنّ النفس آنذاك لا تتوقع خطرا قطّ من جسم مثل جسمها ، ولا خوف عليها من همّ يميل بها إلى السفليات فيحوّلها عن مشاهداتها السامية المسعدة . بل إنها دائما مع الروحانيات تعمّر العالم الكلي وتنظّمه بقوة هادئة مطمئنة . 3 وننتهي الآن إلى الكلام على النفس البشرية . لقد قيل فيها إنها تقاسي الشر والعذاب في البدن ، وإنها أصبحت فيه عرضة للغم والشهوة والمخاوف وغيرها من أنواع الشرور . فالجسم لها قيد وقبر والعالم كهف ومغارة . ومع ذلك فإنّ هذا القول لا يتنافى مع ما سبق من القول في النفس إذ إن أسباب الهبوط هنا تختلف عنها هنالك . / إنّ الروحانيات كلها ، الروح الكلي وكل أمر روحاني ، إنما هي قائمة في مقام الروح الذي نسميه أيضا العالم الروحاني . ثم إن هذا العالم يحيط بقوى روحانية وأرواح جزئية تقيم فيه ، إذ إن الروح ليس روحا واحدا فقط ، بل إنه
تاسوعات أفلوطين — صفحة 409 | أفلوطين