تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاسوعات أفلوطين — صفحة 408

مساهمون:

ص٤٠٨
الكهف عنده ، مثل المغارة عند انباذقليس ، إنما هو ، فيما أرى ، هذا العالم الكي ذاته حيث يعني انفكاك النفس من قيودها وانطلاقها / من الكهف الارتقاء إلى العالم الروحاني : فلقد ورد في كتاب « الفيدروس » أن فقدانها ريشها هو سبب مجيئها إلى هذا العالم ؛ ثم انعتقت وصعدت فعادت الأدوار ودفعتها إلى دنيانا ، فيما يقول . وناهيك بسائر النفوس التي تبعث بها إلى هذا الموطن أحكام وحظوظ ومصادفات وجثوم . إنّ أفلاطون في كل هذه المقاطع يذكر هبوط / النفس إلى البدن على أنه أمر مذموم إذا . ولكنه في كتابه « التيماوس » يثني على العالم المنظور ويعني به عالمنا الكلي ، ويقول فيه أنه إله موفور السعادة . كما أنه يقول في النفس أنها من صانع فاضل صالح أمدّ بها العالم الكلي ليكون ذا روح ما دام يجب في هذا العالم أن يكون ذا روح ويستحيل عليه ، بدون نفس ، أن يصبح على هذه الحال . / فان الإله أرسل النفس من أجل العالم الكلي في حدّ ذاته أولا ، وأرسل نفسا لكل منّا من أجلنا حتى يكون هذا العالم الكلي مكتملا . ذلك لأنه ينبغي في أمور العالم الروحاني على اختلاف أنواعها ، أن تكون في العالم الحسي هي هي وعلى مقدارها من حيث إنها أجناس الحيوان المختلفة . / 2 ومن ثم ، فإنّا إذ نحاول أن نأخذ عن هذا الفيلسوف شيئا يطلعنا على نفسنا ما هي ، اضطرنا الحال إلى أن نتعرض للبحث عن النفس بوجه عام ، كيف فطرت على أن تكون متصلة بالبدن . ثم إنه يضطرنا إلى البحث حول حقيقة العالم من أي طراز يجب فيه أن يكون ، هو الذي تقيم فيه نفس ، سواء أكانت إقامتها / طوعا أو كراهية أو من وجه آخر مهما يكن . ويضطرنا الحال أخيرا إلى البحث حول الصانع هل صنع مباشرة ومندفعا من تلقاء ذاته ، أو مثلما تصنع نفوسنا بوجه ما . فإنه يجب في هذه النفوس ، ما دامت تسيّر أمور أجسام دونها مقاما ، أن تغوص في هذه الأجسام إلى بواطنها . هذا على الأقل إن كان شأن نفوسنا أن تسود أجسامها . / إذ أن أجزاء الجسم تتشتّت ، فينبذ كل جزء محلّه في حين أن الأشياء في العالم الكلي يلزم كل منها المحل الذي عيّنته له الطبيعة . أما الجسم الجزئي فإنه يتطلّب عناية مختلفة الوجوه شاقة لأنه معرّض دائما للطوارئ الكثيرة الغريبة عليه ولأنه قيد الحاجة ورهنها ؛ وهو في حالته المرهفة لا بدّ له دائما من معين يعينه . / أما جسم العالم الكلي فإنه طوع الإشارة مهما خفّت ، إن جاز لنا القول ، لأنه كامل ، بالغ ، مكتف بذاته لا يعترضه شيء يتنافى مع طبعه . ثم إن نفس العالم الكلي إنما تكون في الحال الذي فطرت على أن تريده لها دائما ، فلا تشتهي ولا تنفعل ؛ ولا شيء منها ينسحب ، ما دامت هي لا تقبل زيادة ولا نقصانا . ولذلك يزيد أفلاطون على قوله في نفسنا أنها إن / كانت متصلة بتلك النفس الكاملة أصبحت كاملة هي أيضا ، وأخذت تجول في السماء وتسوس العالم كله . وما دامت نفسنا نزيهة ، تتحاشى أن
تاسوعات أفلوطين — صفحة 408 | أفلوطين