تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاسوعات أفلوطين — صفحة 406

مساهمون:

ص٤٠٦
ذاته . / وهو يرغب آنذاك في أن يمدّ خطوطا ومعالم تتوافق مع الأمور التي يشاهدها في الروح بعد أن أصبحت فيه وكأنه الحامل جاءتها أوجاع المخاض ، فيجهد ذاته صانعا مبدعا . فإذا أجهدت النفس ذاتها تمدّدت حول العالم المحسوس وهي لا تزال تشارك النفس الكليّة في الإشراق على ما سواها في العناية بأمور العالم الكلي . / غير أنها تحاول الاستئثار بتدبير أمور جزء دون غيره من أجزاء هذا العالم ، فتنعزل . وإذا حلّت في ذلك الذي تكون فيه ، فإنما تحل بمعنى أنها تصبح بأسرها وكلّا شيئا من الجسم ، بمعنى أنها تحتفظ بشيء يبقى مستقلا عن الجسم . بل إن روحها يبقى منزّها عن الانفعال . أما هي فتكون تارة في الجسم وطورا منفصلة عنه . لقد رحلت عن مقام / الأوّليات وانتهت إلى مقام الثوالث من دون حدود الروح . وهي أثناء ذلك عمل الروح الذي يبقى ثابتا في نطاق ذاته في حين أنه ، بوساطة النفس ، يملأ الأشياء كلها حسنا وينسّق بين خطوطها ومعالمها . إنه لعمري عمل خالد لا يزول ، أداة بين يدي روح خالد لا يزول هو أيضا ، ما دام هو ذاته باقيا على الدوام يفعل دون كفّ ولا انقطاع . 14 أما النفس في الأحياء الأخرى ، فإن النفوس التي هبطت وانتهت إلى مستوى أجسام البهائم إنما هي خالدة هي أيضا حتما . وإن كانت ثمة نفس من نوع آخر ، فيجب فيها الّا تأتي هي أيضا إلّا من الطبيعة الحيّة ، ما دامت هذه الطبيعة علّة الحياة في الأحياء ، حتى أنها علّة الحياة في النبات ذاته . / فإنّ الأنفس كلها تنبعث من أصل واحد ، وتتمتّع كل منها بحياتها الخاصة ، منزّهة عن الجسمية هي أيضا ، كما أن كلّا منها ذات لا تتجزّأ . وإن قال قائل إن نفس الإنسان ما دامت ثلاثية الأجزاء ، لا بدّ من أن تنحلّ لأنها مركّبة ، قلنا : إن الأنفس الطاهرة الناجية عن ذاتها / ما علق بها في عالم الصيرورة . أما النفوس الأخرى فستبقى مقرونة بهذا العلق حقبا طوالا . بيد أن الدونيات التي تنبذ جانبا لن تنعدم هي أيضا ، ما دام القائم بأمرها ثابتا في الوجود . فإن شيئا لن ينعدم ما دام له من الحق نصيب . 15 لقد فرغنا من ذكر ما لا بدّ من القول فيه مع الذين يطلبون قياسا وبرهانا . أما ما ينبغي ذكره من الذين لا يصدّقون إلّا بمباشرة الحس ، فإنما ننتقيه من الأخبار الواردة في موضوعنا وهي كثيرة . منها ما ورد في الآلهة عن أنها تكلّف بتسكين غضب النفوس التي نالها ضيم ما ، / وبتكريم الأموات كأنما يحسّون . وهكذا يفعل الناس جميعهم نحو كل فقيد رحل . هذا وإن نفوسا كثيرة انعتقت من الأجسام بعد أن حلّت قبل ذلك في بعض الآدميين ، لا تزال تعمل لهم خيرا حتى الآن . فإنها ما دامت تطلعنا على هواتف الغيب وتأتي بالخدمات من نواح شتى ، فإنها تؤدّي لنا نفعا . / فضلا على أنها ، بلسان حالها ، تثبت لنا أن النفوس الأخرى لم تفن هي أيضا .