إنسان على هذه الحال ، أو لو كانت جماعة من الناس تتمتع بنفوس من هذا النوع ، لما أنكر على النفس منكر أن ما يكون منها في الإنسان هو أمر خالد . إلّا أنهم يرون النفس مشوّهة عند الكثير ، فلا يتصوّرونها شيئا ربّانيا أو شيئا خالدا . / مع أنه يجب في حقيقة الشيء إذا بحثنا عنها أن ننظر إلى هذا الشيء وهو بعد في صفوته إذ أن الزيادات التي تعلق به تحول دائما بينه وبين إدراكه على ما هو في ذاته . أمعن النظر في حين أنك تميّز النفس أو بالأحرى ، فليسدّد المرء نظره وهو يتبيّن ذاته . / فإنه ليؤمن آنذاك أنه خالد ، إذ أنه يشاهد ذاته وقد صار في عالم الروح والصفاء . ذلك لأنه آنذاك يشاهد الروح وهو ينظر . لا ينظر إلى شيء حسي أو إلى أمر من هذه الأمور الفانية ؛ بل إنه ينفذ مع عرفانه بالأزلي فيه إلى الأزلي ذاته ، وإلى كل ما في عالم الروح ، وإلى هذا العالم ، بعد أن يكون قد أصبح هو ذاته روحانيا نورانيا . / لقد أشعّ فيه الحق الذي يأتي من الخير المحض والذي ينشر ضياء الحق على الروحانيات كلها . فما أكثر الأحوال التي يبدو له فيها آنذاك حسن ما قاله الشاعر : « السلام عليكم ، إنّما أنا إله لا يموت » ! أجل ، يعرض له ذلك وهو يرتقي إلى عالم اللاهوت محدّقا إلى التماثل الذي يتبيّنه بينه وبين هذا العالم . / وإذا كان التطهير هو الذي يحلنا في معرفة الأمور الشريفة ، فإن العلوم إنما تظهر هي أيضا منبعثة من الباطن ، وأعني بها تلك التي تكون علوما حقا . فالواقع هو أن النفس لا تشاهد « العفّة والعدل » لدى تطوافها في الخارج ، إن جاز لنا القول . إنما تشاهد هي ذاتها في ذاتها إذ تنفذ بالعرفان إلى ذاتها / وإلى ما كانت عليه في أصلها وفطرتها . فكأنما تشاهد تماثيل منصوبة في باطنها ، وكأن هذه التماثيل قد اعتراها الصدأ على مرور الزمان ، فتأخذ النفس في حقها . مثل ذلك مثل الذهب لو كان شيئا منفوسا وأخذ ينزع عنه ما علق به من الأحوال . فإنه يجهل ذاته في أوّل أمره لأنه لا يشاهد ذهبا . ثم ها هو يعجب من ذاته أمرا عندما يرى ذاته معزولا عن كل شيء . /
فإنه أدرك أنه لا يحتاج إلى حسن مكتسب ، وهو يزدهي بالعظمة لو ترك على حاله وخلّي بينه وبين ذاته .
11 أيّ صاحب روح عسى أن يتردّد في شأن أمر من هذا المقام أنه خالد ؟ فإن من توفّرت له الحياة من تلقاء ذاته ، كان فقدانه لها شيئا مستحيلا . وكيف يفقدها ما دام أنه لم يكتسبها اكتسابا ، وأنها ليست هي لديه بمنزلة الحرارة من النار ؟ ولست أعني أن الحرارة من النار بمنزلة الشيء المكتسب . / بل إنها ، وإن لم تكن لدى النار شيئا مكتسبا ، هي كذلك لدى الهيولى التي تقوم النار عليها ، إذ أن النار تزول بوساطة الهيولى . فلا يقال في النفس أنها تصبح حيّة بمعنى أنها تكون هيولى تقوم الأشياء عليها ، ثم تقبل الحياة على هذه الهيولى فتظهر النفس في قوامها . ذلك لأنّا هنا بين أمرين : أو إن الحياة هي ذات ، فتتمتّع ذات من
تاسوعات أفلوطين — صفحة 404
مساهمون: أفلوطين
ص٤٠٤