تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاسوعات أفلوطين — صفحة 390

مساهمون:

ص٣٩٠
يسلّمون بذلك ، وأن عليهم استدراك أمور أخرى أيضا : فما عسانا نطلب أساسا للذاكرة بعد ذلك سوى قوة النفس وقد انتهت إلى أشدّها ؟ / إن بقاء الانطباع إنما هو دلالة على ضعف أكثر مما هو دلالة على قوة ؛ وإن ما يكون أشد قابلية للانطباع إنما هو كذلك لأنه قابل للارتخاء . فما دام الانطباع انفعالا أصبح الانفعال على أشدّه هو هو التذكّر على خير ما يمكن أن يكون . مع أن ما يبدو في الواقع إنما هو على خلاف ذلك : فان الترويض على شيء مهما يكن لن / يجعل المروّض عرضة للانفعال . كما إنه ، في مجال الإحساس ، ليس العضو الضعيف ، كالعين مثلا ، هو الذي يرى ، بل العضو الذي تكون لديه القوة على الفعل وهي على أشدّها . ولذلك نرى أن الذين أدركهم الكبر إذا ضعفت حواسّهم ضعفت ذاكرتهم أيضا . إن الإحساس والذاكرة إنما هما نوع من النشاط إذا . / ثم ما دام الإحساس ليس انطباعا ، فكيف يكون التذكّر حفظا لما لم يودع في النفس مع إنه ليس أصلا ؟ ولكن إذا كانت الذاكرة قوة النفس واستعدادها لما هو حاضر أمامها ، فكيف لا نأتي على تذكّر الأشياء فورا ، بل نتذكّرها بعد ذلك ؟ ألا ، لأنه يجب في القوة أن تتركّز وأن تتجهّز ، إن جاز لنا القول . / وهذا ما نشاهده في القوى الأخرى : إذا تجهّزت للعمل الذي تقوى عليه أنجزته ؛ منها على الفور ومنها بعد أن تكون قد تجمّعت في ذواتها . أما ما يحدث كثيرا لصاحب الذاكرة الّا يكون صاحب الذهن الحديد ، فلأن ليس للطرفين قوة واحدة : فربما لم يكن المصارع / عدّاء ، ولا غرو ، إن اختلفت القوة الغلّابة بين إنسان وآخر . وبعد ، فإنه ليس من مانع يمنع صاحب النفس عن أن يطّلع على ما فيه من رواسب ، وصاحب النفس الميّالة إلى هذا أو ذاك عن انفعال يأخذ به ويحفظ منه . ثم إن النفس ليست خاضعة للكم ، وهذا يدل على أنها قوة . / فضلا على أن أمور النفس إجمالا إنما هي ، بوجه عجيب ، على غير ما تصوّرها الذين أدركوها عن غير بحث دقيق . كما أنها على غير ما عرضت لهم بتلك اللمحات السطحية الواردة من الحسيات التي تغش بمتشابهاتها . فإنهم يقفون من الإحساس والتذكّر كأنهم أمام حروف نقشت في لوح أو كتبت على ورق . / فتنشأ المحالات التي تلازم افتراضهم بغفلة عنهم ، من تصوّر منهم النفس جسما ومن تصوّرها منزّهة عن الجسمية .