النفسانية لما كان جسم قطّ ، إذ أن الجسم يجري وهو في الحركة طبعا ، وسرعان ما تزول الأشياء كلها / لو كانت كلها أجساما حتى ولو فرض على أحدها اسم النفس فرضا . فلن يكون ذلك الجسم سالما من الانفعال الذي ينال غيره من الأجسام ما دام للأجسام كلها هيولى واحدة . بل الأحرى بالقول فيه أنه لن ينشأ ، بل تبقى الأشياء كلها في حال الهيولى ما دام الأصل الذي يعمّر الهيولى بالصورة غائبا . بل ربما لن تكون الهيولى ذاتها بعد ذلك أصلا . / أمّا عالمنا هذا فإنه لينحلّ لو أسندنا التأليف بين أجزائه إلى جسم ما ، وأعطينا رتبة النفس وحتى اسمها ذاته إلى جسم كالهواء أو الروح البخاري وهما في غاية الوهن ، وليس لديه ما من ذاتهما ما يكفل لهما الوحدة . وكيف نعهد بالعالم الكلي إلى أحد الأجسام وهي متفكّكة متجزّئة طبعا ، / ثم لا تحوّله إلى شيء غير روحاني منقاد للمصادفة والاتفاق ؟ أين النظام في روح بخاري مدين للنفس بنظامه ؟ أين الحكمة وأين الروح ؟ أما إذا كانت النفس ، أصبحت الأمور كلها مسخّرة لها لبنيان العالم ، ولكل حيوان جزئي ، فتأخذ قوة الشيء من قوة غيره ساعية إلى قيام الكل . فإذا ما احتجّت النفس وانسحبت / من الأشياء كلها زالت الأشياء كلها ، ولا تسأل بعد ذلك عن النظام الذي تكون فيه .
4 إن الرواقيين ذواتهم ينساقون للحق فيعترفون بأنه لا بدّ من مثال ، من نفس ، قبل الأجسام وأفضل منها . فإنهم يجعلون للروح البخاري روحا ويفترضون وجود نار روحانية .
فكأنما ليس بوسع الجزء الأشرف بين الأمور أن يكون بدون نار وروح بخاري ، فيسعى إلى محل يقيم فيه . / في حين أن ما يجب البحث عنه هو أين ينزلون الأجسام إذ أنه ينبغي في الأجسام أن تحلّ في قوى النفس منازلا . وإذا كانوا يزعمون أن الحياة والنفس ليستا شيئا سوى الروح البخاري ، فما هو هذا « الوضع المعيّن » الذي طالما يرد ذكره عندهم والذي يلجئهم إليه التسليم بوجود / حقيقة ذات فعل تختلف عن الأجسام ؟ وإن لم يكن كل « روح بخاري » إذا ، إذ أنّا نجد أرواحا بخارية لا أنفس لها ، بل يزعمون أن النفس هي « الروح البخاري » في « وضع معيّن » ، فإن لهم وجهين في القول : أما أن يقولوا في ذلك « الوضع المعيّن » أو تلك « الهيئة » أنه شيء من الأشياء ، وأما ليست شيئا بحال . فإن لم يكن شيئا بقي الروح البخاري وحده ، وليس « الوضع المعيّن » إلّا لفظا فقط . / ويسوقهم ذلك إلى القول بأنه ليس من شيء إلّا الهيولى ، وإن النفس والإله والأشياء كلها إنما كل ذلك ألفاظ ، ما عدا الهيولى وحدها . أما إذا كانت « الهيئة » هيئة الأشياء وشيئا غير حاملها وغير الهيولى ، مع كونها في الهيولى وهي غير هيولانية في حدّ ذاتها لأنها هي أيضا لا تتألف من هيولى ، أقول : إن كان ذلك كذلك ، فإن في الأشياء بنية معنوية ليست / جسما بل هي من طبيعة أخرى . هذا وإن مما يلي بيانا لا يقل وضوحا عما سبق
تاسوعات أفلوطين — صفحة 393
مساهمون: أفلوطين
ص٣٩٣