نشاهد المرئي وهو ملتصق بإنسان العين ، بل يجب أن يكون بعيدا فنراه وهو على هذه الحال ، فكذلك ينبغي أن يقال في النفس ، وهو قول بأن يطبّق عليها أحرى . ذلك لأنه إن جعلنا انطباع المرئي فيها ، / فإنها لا تتبيّن الشيء الذي حلّ ختمه فيها على أنه شيء مرئي . فإن الإبصار يستلزم أمرين حتما : الرائي من ناحية والمرئي من الأخرى . وإذا وجب في الرائي أن يكون مختلفا عن الشيء المنطبع ، فقد يكون هذا الشيء في كل صوب وناحية شرط الّا يقيم حيث يكون الرائي مقيما . فإنه يجب في الإبصار الّا يكون إبصار ما ينطوي هو عليه ، بل إبصار ما لا يقيم فيه ، حتى يكون إبصارا حقا . /
2 وان لم يكن الإبصار كذلك ، فعلى أي وجه يكون ؟ إنه يعلن عما لا ينطوي عليه . فإن شأن القوة ، لا أن تنفعل بشيء بل أن تكون قادرة على أن تحدث فعلا في ما كان بينها وبينه تناسق . وما كانت النفس ، فيما أرى ، لتميّز بين المرئي والمسموع لو كان كلاهما انطباعين فيها . إنما يقع هذا التمييز / لأنه ليس أمامنا انطباع أو انفعال بل فعل فطر مع علاقته بما يقابله .
أما نحن فإننا نعتقد في الملكة إنها لا يسعها أن تدرك معروفها ما لم تقرع به ، فنتصوّر إنها تنفعل بما يجاورها ويحيط بها ولا إنها تعرفه ، في حين أن لها ما يجعلها معه هي الغالبة لا المغلوبة . /
وعلى هذا الوجه يجب أن نتصوّر السمع أنه يتم . فإن الانطباع إنما هو في الهواء شيء كالاهتزاز يتحرّك متماسكا بعضه مع بعضه الآخر ، وهو آنذاك كأن حروفا يصوّرها صاحب الصوت . أما الملكة والنفس فإنهما حينئذ بمنزلة من يقرأ الانطباعات المصوّرة في الهواء وهي تقترب شيئا فشيئا بحيث ينتهي إلى الحال الذي / فطرت عليه أن تكون مرئية . أما الذوق والشم ، فإن فيهما انفعالا . لكن ما فيهما من إحساس بهما وتمييز بينهما إنما هو إدراك للانفعال . فالإدراك شيء والانفعال شيء آخر . أما معرفة الروحانيات فهي بأن تكون بدون انفعال ولا انطباع أحرى أيضا . فإن الروحانيات تبدو كأنها تنبع من الباطن ، وهي على خلاف ما نشاهده من الخارج . /
ثم إنه بأن تكون الروحانيات أفعالا حقّا أحرى ، إذ إن المعرفة هي معرفة النفس لذاتها بذاتها ، وكل روحاني إنما هو النفس قد تتحقق في ذاتها إذ تفعل فعلها . أما السؤال عن النفس إن كانت اثنتين ، وإن كانت ترى ذاتها آنذاك على أنها شيء يختلف عنها هي ، في حين إنها ترى الروح واحدا توحّد الطرفان فيه ، فهو سؤال نرجئه إلى مقام آخر .
3 وها نحن أولاء ، بعد كل الذي مرّ بيانه ، ننتهي الآن إلى ما يجب في الذاكرة أن يقال عنها . وأولا ، لا عجب في النفس إن كان لها قوة مثل هذه القوة ، لا تتلقى شيئا ومع ذلك تجعل النفس تقبل على إدراك ما ليس لديها . أو بالأحرى إن في ذلك للعجب الكبير ، ولو كان ينبغي
تاسوعات أفلوطين — صفحة 388
مساهمون: أفلوطين
ص٣٨٨