الفصل السادس ( 41 ) في الإحساس والذاكرة
1 ليس الإحساس في النفس انطباعا أو ختما ، وما دمنا قد أثبتنا ذلك ، فإنّا ننفي مطلقا كون التذكّر حفظا للعلوم وللاحساسات بداعي أن الطبع باق في النفس . ولا غرو ، ما دام الطبع لم يكن أصلا . فإنّا هنا أمام موضوع واحد ذي وجهين : إما أن يكون الطبع واقعا في النفس فيبقى محفوظا إذا ما عادت النفس إليه بالتذكّر ، وإما أنّا لا نسلّم بأحد الأمرين مطلقا ، فلا نسلّم بالآخر أيضا . أما نحن فإنّا ننفي الوجهين كليهما ، وعلينا أن نبحث عن كل منهما كيف يكون إذا . / لقد أثبتنا من ناحية أن الإحساس لا يطرأ على النفس بالانطباع فيكيّفها بطبع ما ، ومن ناحية أخرى لسنا نقول في التذكّر أنه تذكّر انطباع بقي محفوظا . هذا وإنّا إن انتبهنا إلى كيفية وقوع الإحساس وهو في أشدّ حالاته وضوحا وبيانا ، ربما عثرنا على ما نبحث عنه فنستدلّ به بعد ذلك على الإحساس في حالاته الأخرى . / ومهما كان من أمر فإن ما لا شك فيه هو أننا إذ نتلقّى شيئا مهما يكن ، إنما ننظر ونتوجّه ببصرنا إلى حيث يكون المرئي قائما في اتجاه الخط المستقيم منّا . وهذا يعني أن الإدراك هنالك يتمّ لا محالة ، وأن النفس إنما توجّه وجهها إلى الخارج ، / فلا مقام ، فيما أرى ، لانطباع قد حلّ فيها ، وليست لتنظر من خلال ختم تلقته فيها فأصبح لديها بمنزلة ختم الخاتم في الشمع . / فإنها لمّا كانت في حاجة إلى أن تنظر إلى شيء خارج عنها لو أن مثال المرئي قد حلّ فيها مقبلا عليها من حيث كان ، أخذت تنظر إلى الانطباع الذي خلّفه فيها . ثم إن النفس تشمل مع المرئي مسافته وتحكم في مشاهدتها عن أي بعد حصلت ، فهل تتبيّن ما هو كذلك فيها وليس بعيدا عنها ، على أنه بعيد ؟ / هذا وان عظم المرئي كما هو عليه في الخارج ، كيف يعلن عن قدره ، أو كيف يعلن أنه ضخم عظيم بعظمة السماء مثلا ، ما دام الانطباع الثابت في النفس ليس بوسعه أن يكون على قدر المرئي ؟ وهناك الآن الاعتراض الأعظم : إن كنّا لا ندرك مما نشاهده إلّا انطباعه فينا ، أصبح من المستحيل أن نبصر ما نشاهده في حدّ ذاته ؛ إنما نبصر ارتسام المرئي وظلّه . / وإن كان ذلك كذلك غدت الأمور في حدود ذواتها شيئا ، وما نشاهده نحن شيئا آخر . وكما أنه فيما يقال إجمالا ، لا نستطيع أن