تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاسوعات أفلوطين — صفحة 389

مساهمون:

ص٣٨٩
الّا تقابله بالرفض . فإن النفس ، في حقيقة ذاتها ، عقل الأشياء كلها ، / وهي بين الروحانيات وبين ما في عالم الروح العقل الأخير ، ولكنها العقل الأول بين ما في العالم المحسوس كله . ولذلك نراها مرتبطة بعالمين : عالم تكون فيه حياتها سعيدة ، جديدة عليها دائما ، وعالم تكون فيه مخدوعة لما بينه وبين العالم الأول من تماثل ، فتهوي إليه كأنها مسحورة به . وما دامت كذلك في الوسط بين العالمين ، فإنها تدركهما كليهما جميعا . / أما إدراكها للأمور الروحانية ، فيقال عنه أنه العرفان ، ويتمّ ، إذا أقبلت النفس على هذه الأمور ، عندما تنتهي إلى الذكرى . فإنها تعرف العالم الروحاني لأنه ، من وجه ما ، هي هي بالذات . وإنها لتعرفه لا بمعنى أنها قائمة فيه بالفعل ، بل لأنه لديها من وجه ما ، ولأنها تراه ولأنها هي هو على شيء من الغموض والإبهام . فعند ما تصبح في حال اليقظة والتنبّه يتبدّل غموضه بالوضوح والبيان ، وينتقل من الوجود بالقوة إليه بالفعل . / وكذلك القول في الحسيّات ، كأنها متصلة بالنفس . ثم إن النفس تجعل العالم الحسي كأنه يشعّ بما يأتيه من لدنها . فتقيمه بفعلها نصب عينيها إذ أن الملكة التي لديها على استعداد دائم للاتجاه إليه حتى قبل أن تصبح معه وكأنها الأم أتاها الوضع بأوجاعه . فإذا تركّزت هذه القوة ، واشتدّ تركّزها على شيء من الأشياء التي تبدو لها وكأنها أمام شيء حاضر ، / قد يستغرق هذا الحضور زمنا طويلا تدوم مدّته بقدر ما تشتدّ القوة في تركيزها . ولذلك يقال في الأولاد أن التذكّر عندهم إنما هو على أشده ، لأنهم لا يبتعدون عن الأشياء ، بل تبقى نصب أنظارهم ، على أن مشاهدتهم لا تتجاوز إلى الأشياء الكثيرة بل تقف عند القليل منها . أما الذين يمتدّ تفكيرهم ويتسع إدراكهم إلى الكثير ، فكأنهم يجرون جريا ولا يلبثون . / وأدنى ما يقال في الأمر هنا ، هو أن الانطباعات ، لو كانت هي التي تبقى ، لما أضعفت كثرتها قدر التذكّر . فضلا على أنه لو كانت الانطباعات هي التي تبقى لما كنّا في حاجة إلى التفكير حتى نتذكّر ، أو إلى أن نعود ونذكر ما كنا قد نسيناه ما دامت الانطباعات حاضرة فينا . ثم إن الترويض لاستدراك ما فاتنا إنما يدلّ على أنّا نجربه لتقوية النفس ، / كما أنّا نروض أيدينا وأقدامنا بالتمارين الرياضية ليسهل عليها عمل ما ليس مقيما في الأيدي والأقدام ، بل ما تصبح الأيدي والأقدام مجهّزة بالتمرين المتواصل . لما ذا نسمع الشيء مرة أو مرتين ولا نتذكّره ، ثم نتذكّره عندما نسمعه غير مرة ؟ ولما ذا نسمع الشيء ولا نحفظه أولا ، ثم نعود ونذكره بعد ذلك بزمان طويل ؟ / لا يردّ ذلك إلّا أنّا قد حفظنا أولا من الانطباع بعض أجزائه . فإنه كان يجب أن نتذكّر هذه الأجزاء ، في حين أن التذكّر يحدث وكأنه يباغتنا عند آخر شيء نسمعه أو آخر تمرين نقوم به . وكل ذلك يدلّ على تنشيط في النفس للقوة التي بها نذكر على أنها تقوى للتذكّر على وجه الإطلاق أو لتذكّر هذا الشيء أو ذاك . / هذا وإنّا لا نتذكّر الأشياء التي تروّضنا عليها فقط ، بل الذين اكتسبوا الكثير من تعوّدهم على الإلقاء والتلاوة