في المرآة يجب أن يقال فيها إنها فعل المرئي . والمرئي آنذاك إنما يوجّه فعله ، / بدون أن ينسكب هو كله ، إلى ما يسعه أن ينفعل به ؛ لكن إذا حضرت المرآة ، ظهر المرئي فيها بحيث يكون بمنزلة ارتسام للون وقد تشكّل بهيئة معينة . حتى إذا ما انسحب المرئي ، جرّدت المرآة الشفافة مما كان لديها سابقا عندما كان المرئي ينفذ إليها بفعله . وكذلك القول في النفس ، بقدر ما أنها فعل نفس أخرى متقدّمة عليها : / فما دامت النفس المتقدّمة باقية ، بقيت النفس المتأخّرة على أنها فعل الأولى . وما القول في النفس إن لم تكن فعلا ، بل كانت شيئا مشتقّا من فعل ، على نحو ما ذهبنا إليه في الحياة وقد أصبحت خاصة البدن ؟ هل تكون على مثل ما يكون النور عليه وقد امتزج بالأجسام ؟ ألا ، إن اللون هنا إنما ينشأ بامتزاج العنصر الفاعل .
وما ذا يكون الأمر في الحياة الخاصة بالجسد ؟ / ألا إنه يصيب تلك الحياة من نفس تجاوره وتحيط به وهي شيء آخر . وإذا ما اعترى الجسد الفساد ( إذ أن ما ليس له من النفس نصيب ، لم يكن شيئا ) ، وأصبحت النفس لا تكفي حاجته ( سواء أعنينا تلك التي كانت تمدّه بالحياة أم تلك التي ربما كانت تجاوره وتحيط به ) ، كيف تبقى الحياة بعد ذلك ؟ وهل يكون الفساد قد اعتراها أيضا ؟ كلا ! لم يعترها الفساد ؟ / فإنها كانت ارتسام إشعاع هي أيضا . أما الآن فحسبنا القول إنها قد انسحبت من المحل الذي كانت فيه .
8 ولنفترض الآن جسما قائما خارج السماء وعينا تنظر إليه من هنا بدون أن يحول بينها وبين النظر حائل ، فهل تشاهد ما ليس بينها وبينه تفاعل متبادل ، ما دام التفاعل المتبادل لا يكون إلّا في حيوان طبيعته واحدة ؟ ألا ، إن التفاعل المتبادل إنما يتم إذا كان المحسّ والمحسوس في حيوان واحد . وإذا كان ذلك كذلك ، فإن الإحساس / في الحالة التي افترضناها لن يحدث إلّا إذا كان ذلك الجسم الخارج جزءا من الحيوان الكلي . وعند ذلك فإنه قد نحسّ به . وإن لم يكن جزءا ، بل كان جسما ذا لون وصفات أخر ، مثل الجسم في عالمنا ، وهو مع العين متشابه في المثال ، ألا يكون محسوسا ؟ كلا ! لن يتمّ الاحساس ، حتى في هذه الحالة ، إن كان افتراضنا صحيحا ، إلّا إذا حاول بعضهم ان يبطله / بالقول الذي ذكرناه ذاته ؛ فيدّعي أنه ليس من المعقول الّا ترى العين لونا حاضرا والّا تقوم الحواس بأعمالها مع الحسيّات إذا حضرت أمامها . ولكنّا نقول : أنّى لهذه الاستحالة الدليل عليها ؟ فإنّا في العالم إنما نفعل وننفعل لأنّا في حيوان واحد ومنه . وإذا كان إلى جانب هذا سبب آخر ، فلا بدّ لنا من البحث عنه . / وإذا أدّى البحث إلى ما فيه الاقتناع ثبتت القضية ، وإلّا كان لا بدّ من اللجوء إلى أدلة أخرى . أما أن يكون الحيوان على حال التفاعل المتبادل مع ذاته ، فإنه أمر واضح ؛ وحسبنا أن يكون حيوانا لتغدو الأجزاء متفاعلا بعضها مع بعض لأنها أجزاء حيوان واحد . هذا وربّ سائل يسأل : ولكن ما القول لو كان هذا
تاسوعات أفلوطين — صفحة 385
مساهمون: أفلوطين
ص٣٨٥