المسألة السابقة وضوحا . نقول إذا : لو كان النور مستقرّا في الباطن بحيث يصبح خاصة من أصاب شيئا منه ، استطعنا أن نقول فيه إنه يفنى . ولكنه إن كان فاعلية تتدفق كلها - ( وإلّا لكانت تغمر ما تنتهي إليه غمرا وينصبّ منها فيه قدر يتجاوز القدر الذي تنبعث عليه من أصلها ) - / فإنه لن يفنى ما دام معينه باقيا . ثم إذا تحرّك معين النور تحرّك هو أيضا وأصبح في محل آخر ، لا بمعنى أنه يعود إلى معينه وينصبّ فيه أو في غيره ، بل بمعنى أنه فاعلية معيّنة تتنقل معه حيثما يتنقل طالما لم يعترض طريقها شيء . حتى ولو كان / بعد الشمس عنا أضعاف ما هو عليه الآن ، لكان نورها يصل إلينا ما دام لا يردّه مانع ولا يقف دون استرساله في الوسط حائل . ولكن الفاعلية الكامنة فيها والتي هي للجسم النوراني بمنزلة حياته ، إنما هي أعظم من النور من حيث أنه فعل ، وكأنها أصله ومعينه . أما هذا الفعل الذي يفيض عن حدود ذلك الجسم النوراني ، / فإنه صورة الفعل الباطن ، وهو فعل متأخّر لا ينفصل عن الأصل الذي يتقدّمه . ذلك لأن لكل شيء من الأشياء فعلا هو على مثاله . فإذا كان الشيء كان فعله ، وإذا استمر باقيا نفذ فعله إلى كل بعيد ، واختلف الفعل عن الفعل بسعة نفوذه أو ضيقه . ثم إن من هذه الأفعال ما كان ضعيفا ومغشي الجوانب ، ومنها / ما خفيت معالمه وفاتنا ، كما أن من الأشياء ما يكون له أفعال أعظم أيضا وأبعد نفوذا . أما إذا كان الفعل بعيد النفوذ ، فيجب الاعتقاد فيه أن يكون حيث يكون صاحب الفعل والقوة ، كما أنه يمتدّ إلى حيث يمتدّ نفوذه . وهذا ما نستطيع أن نتبيّنه من بريق العين عند الحيوان : إن في الحيوان نورا وهذا النور يخرج من عينيه . وكذلك أيضا عند بعض / الحيوانات التي تنطوي على نار مجتمعة في بواطنها ، فإذا اتّسع جرمها في الظلام أشعّ نورها في الخارج ، وإذا انقبضت على ذاتها انسحب النور من الخارج . ولكنه لم يفن بل إنّا أصبحنا نحن بين أمرين : أو أن النور هو في الخارج أو أنه ليس في الخارج . ما ذا إذا ؟ هل عاد ودخل في الحيوان ؟ ألا ، إن النور ليس في الخارج لأن النار كفّت عن أن تتجه إلى الخارج ، بل إنها تحوّلت / إلى الداخل . أهو تحوّل النور إلى الداخل أيضا ؟ كلا ، بل النار فقط . وإذا انسحبت إلى الداخل حجبها سائر الجسم بحيث لا يمتدّ فعلها إلى الخارج . إن النور الذي ينبعث من الأجسام إنما هو فعل الجسم النوراني موجّها إلى الخارج إذا . وهذا النور الكامن في مثل تلك الأجسام المبنيّة كذلك أصلا ، / إنما هو ذات تكيّفت بمثال ما كان في أصله جسما نورانيا . فإن امتزج هذا الجسم بالهيولى أحدث اللون . أما الفعل ( أعني النور ) وحده فلا يحدث اللون ، بل شيئا كأنه تلوين سطحي ، إذ إنه فعل جسم آخر وكأنه مرتبط به ، إذا انفصل عنه ، انفصل في الآن ذاته عن فاعليته . / ومهما يكن من أمر ، لا بدّ من افتراض النور شيئا منزّها عن الجسمية ، حتى ولو كان مصدره جسما . ولذلك لا يقال عنه بالمعنى الحقيقي إنه « غائب » أو « حاضر » ، بل تطلق هذه الألفاظ عليه من وجه آخر : فإن حقيقته إنما هي كونه شيئا كالفعل . إن الصورة المرتسمة
تاسوعات أفلوطين — صفحة 384
مساهمون: أفلوطين
ص٣٨٤