كيان النور بالهواء قائما : فيكون / النور آنذاك حالا من أحوال الهواء ولا يوجد الحال إلّا بوجود المنفعل به . نقول أولا أن النور ليس من الهواء أصلا ، وليس من الهواء من حيث أنه هواء . فإن للأجسام كلها نورها ما دامت نارية تزدهي كما أنّ لبريق الحجارة ألوانه الزاهية أيضا . ولكن هذا النور إذا انتقل من أجسام أخرى منبعثا من الجسم الذي تزدهي فيه تلك الألوان ، أيتمّ انتقاله والهواء غائب ؟ / نقول إنه لو كان النور كيفا فقط ، وكيفا في شيء ما دام شأن الكيف أن يحلّ في شيء ، وجب البحث عن النور في أي جسم يكون . ولكنه إن كان فعلا ينبعث من شيء آخر ، فلما ذا لا يكون حاضرا إن يكن كل جسم يليه في الوسط غائبا ، ولو كان هذا الوسط شيئا كأنه الفراغ ، إن جاز لنا القول ، / حتى ليتجاوز هذا الوسط إلى ما وراءه ؟ وما دام مشدودا في استرساله بشدّة الخيط المستقيم ، فلما ذا لا يسترسل في مضيه وهو غير محمول ؟ فلو كان مفطورا على أن يقع ، لكان سار انحدارا . ذلك لأنه ليس بوسع الهواء حتى ولا بوسع الجسم المضاء به أن يخرجاه من معينه وأن يرغماه على الاسترسال في مضيه : فإنه ليس عرضا بحيث يكون شأنه / أن يحلّ في غيره ، أو حالّا يجب فيه أن يتكيّف به جسم آخر وقع في حكم الانفعال . وإلّا لوجب فيه أن يبقى ولا يبرح وجها بعد أن يكون قد أتى . مع أنه ها هو ذا ينسحب ؛ فمن شأنه أن يأتي أيضا . ولكن إلى أين ؟ ألا ، إنما يحتاج إلى محل يتّسع له .
ولكن جسم الشمس يفقد عند ذلك فاعليته ، تلك التي تنبعث منه ؛ وهي النور بالذات . إن كان ذلك كذلك ، فإن النور ليس نور شيء . / فإن الفاعلية إذ تنبعث من حامل ما ، فليس انبعاثها بغية الحلول في حامل آخر . بل إنها تحدث انفعالا ما في هذا الحامل الآخر إذا وجد . هذي الحياة ، وهي فاعلية النفس . فإنما هي فاعلية إن وجد ما ينفعل بها كالجسد ؛ وإنما هي فاعلية أيضا في حال غياب المنفعل . وإن كان ذلك كذلك ، فأي مانع يمنع النور عن أن يكون هذا حاله ، ما دام هو أيضا فاعلية من وجه ما ، / وشيئا نورانيا ؟ والواقع هو أن الهواء المظلم لا يولّد النور ، بل إنه يمتزج بالتراب فيجعله النور مظلما غير ظاهر حقّا . ومن قال بذلك ، كان كمن يقول بأن الشيء يحلو إذا مزج بالمر . وإن قال قائل في النور إنه تغيّر حدث في الهواء ، وجب عليه القول بأنه ينبغي / في الهواء أن يتغيّر هو أيضا بهذا التغيّر : فإن ظلامه يكون قد تحوّل إلى ما ليس هو بالظلام بعد ذلك . والواقع هو أن الهواء يبقى كما هو على حاله ، فكأنه لم يطرأ عليه انفعال قطّ . هذا وإن الحال إنما هو حال الشيء الذي انفعل به : فليس النور لونا للهواء ، بل إنه هو ذاته قائم مع ذاته في ذاته ؛ أما الهواء ، فشأنه أن يكون حاضرا مع النور . هذا وحسبنا ما ذكرنا في موضوعنا . / فلننتقل الآن إلى البحث في السؤال التالي .
7 هل يفنى النور أو يعود إلى معينه ؟ ربما أفدنا من الجواب على هذا السؤال ما يزيد
تاسوعات أفلوطين — صفحة 383
مساهمون: أفلوطين
ص٣٨٣