تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاسوعات أفلوطين — صفحة 381

مساهمون:

ص٣٨١
ينشأ بدون هواء ، ولنعد الآن إلى السؤال الأول . / إذا صار ذلك النور المتصل بالبصر شيئا منفوسا إذا ، وتحرّكت النفس فيه وتمدّدت ( كما هو الأمر معها في نور العين الباطن ) ، فقد تبيّن بوضوح أن الإبصار بالذات إنما يكون في إدراك المحسوس . فلا حاجة بعدئذ إلى النور وسطا ، بل يكون الإبصار أشبه شيء بالملامسة ، إذ أن قوة الإبصار تدرك المحسوس في هالة من نور ، / ولا يطرأ على الوسط قطّ انفعال . لا بل إن قوة الإبصار تتحرّك هي ذاتها إلى حيث يكون المحسوس . والذي يجب البحث عنه آنذاك هو هل ينبغي على البصر أن يتقدّم نحو محلّ المحسوس بسبب وجود مسافة بينهما أو بسبب وجود جسم ما في هذه المسافة . إذا كان السبب يعود إلى أن في المسافة جسما فاصلا مانعا ، تمّ الإبصار بإزالة هذا الفاصل المانع . / أما إذا كان السبب هو المسافة فقط ، وجب القول في طبيعة المرئي أنها جامدة وأنها ليس لها في المبصرات تأثير قطّ ؛ ولكن هذا أمر مستحيل . ذلك لأن حسّ اللمس لا يشعر بالشيء انه قريب وانه يلمسه فقط ، بل إنه يدلّ ، بانفعاله ، على ميّزات الشيء الملموس أيضا . وإن يكن فاصل فيمنعه ، استطاع أن يدرك الشيء حتى ولو كان بعيدا . فإنّا في حال كون الهواء وسطا ، / إنما نحس بالنار ولا ننتظر في ذلك ريثما يسخن الهواء ، بل الجسم الصلب يسخن بأسرع من الهواء . ومن ثم فإن الأحرى بالقول هو أن الحرارة تجتاز الهواء لتنتشر ، ولكن انتشارها لا يتم بوساطة الهواء . فإذا كان للشيء قوة على الفعل ، وكان ما يقابله يتّسع للانفعال - وهذا هو حال البصر من جهة ما - فلما ذا يحتاج إلى وسط غريب يكون بينه وبين ما يستطيع أن يجري عليه فعله ؟ / فالاحتياج إلى ذلك إنما هو احتياج إلى حاجز . ثم إذا أقبل نور الشمس علينا وجب القول في الهواء أنه لا ينفعل هو أولا بالنور ثم ننفعل بانفعاله نحن بعد ذلك . إنما يقع الانفعال على الطرفين في آن واحد ، وما أكثر ما يقع قبل أن يصبح النور قريبا من العين ، ما دام منتشرا في كل صوب وناحية . وعليه فإنّا نبصر بينما لا ينفعل الهواء ما دام أنه لا وجود لمنفعل يكون وسطا ، / وما دام النور الذي يجب فيه أن تتصل العين به لم ينته بعد إليها . هذا فضلا على أنه يصعب علينا إذا لجأنا إلى هذا الافتراض الذي شرحناه ، أن نعلّل إبصارنا ليلا للكواكب وللنار بوجه عام . أما إذا بقيت النفس مع ذاتها ومسّت الحاجة إلى نور يكون بمنزلة عصا نتناول بها شيئا ، وجب في الإدراك أن يكون عملا عنيفا . / فإن النور يقاوم ويتمنّع في ذاته ، ويبدي اللون المحسوس ، من حيث كونه لونا ، ضغطا معاكسا بدوره . ولا غرو ، فإن الملامسة بوساطة الوسط كذلك تكون . هذا فضلا على أنه يجب في المحسوس أن يكون قد أتيح له ذات يوم بالبصر اتصال بدون أن يقوم بين الطرفين وسط قطّ آنذاك . وهو أمر لا بدّ منه حتى تحدث الملامسة بوساطة الوسط معرفة بعد ذلك ، تكون بمنزلة التذكّر أو بالأحرى بمنزلة الاستدلال . / وليس الإبصار كذلك بحال . هذا وربّ مفترض يفترض أخيرا ان النور الذي
تاسوعات أفلوطين — صفحة 381 | أفلوطين