تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاسوعات أفلوطين — صفحة 380

مساهمون:

ص٣٨٠
وتتوارى الكواكب والنار وتحجب عنّا نورها ، ثم يرى النور المنبعث من قلاع الثغور ومن المنارات التي تدلّ السفن على طريقها . فإذا قال قائل / معارضا ما يدلّ الحسن عليه أن النار تجتاز الهواء حتى في هذه الحالات ، وجب القول أيضا بأن البصر أنما يدرك في الهواء شيئا مظلما ، لا بأنه يدرك النار ذاتها ، وهي من الوضوح في ما نعرفها عليه . فإن كنّا نرى ما وراء الوسط وهو مظلم ، فإنّا بأن نرى مع غياب كل وسط أحرى أيضا . مع أنّا نستطيع أن نقف بانتباهنا عندما يلي : / وهو أن الإبصار يغدو مستحيلا بدون وسط ، لا لأنّ الوسط غائب ، بل لأنه ، في الحيوان الكلي ، قد زال التفاعل المتبادل مع الأشياء المحسوسة ، وتفاعل بعض أجزائه مع بعضها الآخر بسبب كونه واحدا . ذلك لأن الإحساس ، فيما يبدو ، لا يتمّ بوجه ما إلّا لأنّ الحيوان - وهو الحيوان الكلي - يكون في تفاعل متبادل مع ذاته . وإلّا فكيف يتلقّى الشيء تأثيرا من شيء آخر ، / لا سيما إذا كان مصدر التأثير بعيدا ؟ هذا ولنفترض وجود عالم أو حيوان غير عالمنا وحيواننا ثم لا يصل بشيء بين الطرفين ، ونفترض إلى ذلك مبصرا يقف على ظهر سمائنا . فيجدر بنا البحث عمّا إذا كان هذا المبصر يشاهد ذلك العالم أو الحيوان عن بعد معتدل ، أو أنه لا علاقة بين هذا العالم وعالمنا . ولكن هذا أمر نرجئه إلى مقام آخر . / أما الآن فإنّا يمكننا أن نستدلّ بدليل آخر على أن الإبصار لا يتم عن طريق الانفعال الذي يطرأ على الوسط . ذلك لأنه لو انفعل وسط الهواء ، لكان انفعاله جسمانيا حتما ، وهو أشبه شيء بالانطباع في الشمع . ففي كل جزء من الهواء ينطبع جزء من المرئي ، / ويغدو الجزء من الهواء الذي يتصل بالعين لا يتلقى من المرئي إلّا الجزء الذي يكون بقدر ما يتسع له انسان العين . إلّا أن المرئي يرى كلّا ، ويراه كل من كانوا في مجال الهواء ، من الأمام ومن الجوانب ، عن بعد أو عن قرب أو من الوراء ، شرط أن لا يحجبه عنهم حاجب . ومن ثم فإن كل جزء من أجزاء الهواء ينطوي على المرئي كله وكأنه / وجه ينظر إليه . وليس هذا الأثر أثرا بالمعنى الجسماني ، بل إنه نتيجة ضروريات أعظم من ذلك مقاما ، وهي ضروريات نفسانية تعود إلى ما في الحيوان الواحد من تفاعل متبادل . 4 ولكن ما هو الأمر في النور المتصل بالعين وعلاقته مع النور الذي يحيط بالعين ثم يمتدّ بحيث ينتهي إلى المحسوس ؟ إنّا أولا نحتاج إلى الهواء وسطا ، إلّا إذا قيل في النور أنه لا يكون بدون هواء . فالهواء حينئذ طارئ عارض ، والنور هو الوسط ، وهو وسط لا ينفعل ، / ولا حاجة للانفعال إجمالا هنا . ومع ذلك لا بدّ من وسط . هذا ، وما دام النور ليس جسما ، فلسنا بحاجة إلى شيء جسماني . ثم إن النظر لا يحتاج إلى نور غريب عليه يكون وسطا للإبصار على وجه الإطلاق ؛ إنما يحتاج إليه ليبصر عن مسافة بعيدة . فلندع إلى بعد ذلك البحث عن النور إذا كان