تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاسوعات أفلوطين — صفحة 379

مساهمون:

ص٣٧٩
بيننا وبين الأشياء البعيدة التي ندركها بالإحساس ؟ إلّا أنه لا بدّ من التماسك المتواصل والوسط ، لأن الحيوان الواحد يجب فيه أن يكون أنه ينفعل بكل شيء . / فإن كان هذا الشيء ينفعل بذاك ، والشيء الآخر بشيء غيره يقابله ، ولم يكن الانفعال هو ذاته هنا وهناك ، فإنّا لسنا في حاجة بعد ذلك إلى وسط يمتدّ إلى كل صوب وناحية . وإذا قيل أنه لا بدّ منه للإبصار حتى يتم ، فلا بدّ على ذلك من دليل . إنّا لسنا نرى كل سالك في الهواء يجعل الهواء منفعلا ، بل ربما شقّ الهواء فقط . فإذا سقط الحجر / من عل مثلا ، ما عسى أن يحدث سوى أن الهواء لا يثبت تحت الحجر ؟ وليس من المعقول أن نعلّل هذه الظاهرة بأن الهواء يدفع الحجر ليحلّ محله ، ما دامت حركة السقوط حركة طبيعية . وإلّا للجأنا إلى التعليل ذاته في حال ارتفاع النار ، وهذا محال . فإن النار بحركتها السريعة إنما تسبق الهواء ولا تدعه يدفعها ليحلّ محلها . وإذا قيل أن سرعة / الهواء في أن يدفع النار ليحلّ محلها إنما تزداد بسرعة النار في حركتها ، حكمنا على حركة النار أنها تقع عرضا وليس من شأنها هي أن تدفع النار إلى فوق . فضلا على أن الشجر ينطلق من تلقاء ذاته في العلو ، بدون دافع يدفعه من الخارج . ونحن أيضا إنما نتحرّك فنشقّ الهواء ولا يدفعنا هو حتى يحلّ محلنا ، بل يتبعنا فقط فيملأ الفراغ الذي تخلّف عنا . / إذا كان الهواء ولا يدفعنا هو حتى يحل محلنا ، بل يتبعنا فقط فيملأ الفراغ الذي تخلّف عنا . / إذا كان الهواء يشقّ بهذه الأجسام ثم لا يتأثّر بها إذا ، فما الذي يمنع من أن نسلّم للصور بأنها تصل إلى البصر حتى بدون أن تشقّ الهواء ؟ وإذا كانت هذه الصور لا تجري في الهواء وكأنها في نهر ، فلما ذا يجب في الهواء أن يتأثّر بها ، ولما ذا لا تصلنا الانفعالات إلّا بوساطته وبعد أن يكون قد انفعل هو ؟ فإذا كان إحساسنا لا يتمّ إلّا بالتأثير الذي سبق حدوثه في الهواء ، / فإنّا لا نرى المرئي الذي ننظر إليه ، بل نتلقّى إحساسنا مما يجاورنا ويحيط بنا ، مثلما يكون الأمر معنا عندما تدركنا الحرارة . لا شك في أنه ليست النار البعيدة هي التي تحدث فينا الحرارة ، بل الهواء الحار الذي يحيط بنا . وإنما يتمّ هذا بالتّماس وليست المبصرات من التّماس في شيء . / ومن ثم فإن المحسوس إذا وضع على العين لا يجعل العين تبصره بل يجب في الوسط أن يشعّ النور فيه لأن الهواء مظلم ، وربما لم يكن في حاجة إلى نور لو لم يكن مطلقا . فما دام الظلام مانعا للإبصار وجب فيه أن يتغلّب النور عليه . وقد لا ترى العين محسوسا إذا وضع عليها لأنه يحمل معه ظلا ، ظل / الهواء وظلّه هو ذاته . 3 كلا ! إنّ الإبصار لا يتمّ عن طريق الهواء ، بعد أن يكون قد انفعل بصورة المحسوس ، فكأنه ينقلها نقلا . وأكبر دليل على ذلك هو النار والكواكب وصور هذه الأمور ، التي نراها كلها ليلا في الظلام . ولن يدّعي أحد أن هذه الصور نشأت في الظلام ثم اتصلت بالعين بعد ذلك ؛ فلا وجود للظلام ، ما دامت النار تنشر هي ذاتها ضياءها على صورتها . هذا وإن الظلام قد يشتدّ /