نفوسهم وعقولهم ، ولو لم يكن هذا هو ما يطلبون من الموسيقار . ثم إن ما سوى ذلك من الابتهالات ، فيجب الّا نعتقد فيها أن الإرادة هي التي قد استجابت لها . وكذلك الأمر في من يطربون للغناء ، وفي الحيّة إذا رقت الآدميين ؛ فإن المسحور لا يدرك بالفهم ولا يشعر آنذاك ، / بل يعرف ، كلما انفعل ، أنه في حال الانفعال ؛ أما الجانب الراجح فيه ، فلا يناله انفعال . وإن صاحب الدعاء يصله أو يصل غيره شيء من الذي وجّه إليه دعاءه ؛ أما الشمس ، فلا علم لها قطّ بذلك ، ولا غيرها من الكواكب مهما يكن .
41 هذا وإن حاجة الدعاء تقضي بتفاعل متبادل بين جزء وجزء ، كما يكون الأمر في وتر واحد مشدود : متى حرّك آخره بحركة حرّك أوله . وكثيرا ما يحدث أن يحرّك بعض الأوتار فيغدو الوتر الآخر كأنه أحس بما حدث ، لما بينهما من توافق ولأنهما خاضعان كلاهما لتوقيع واحد . وإذا انتهى الأمر / بالحركة إلى أن تنتقل من قيثارة إلى قيثارة أخرى ، بقدر التوافق الذي بينهما ، فإنّ في الكون توقيعا واحدا كذلك أيضا ، ولو كان توقيعا قائما على المتنافرات . لكنه يقوم على المتجانسات أيضا ، ما دامت القربى تجمع بين الأشياء كلها ، حتى المتنافرات منها .
ثم إن كل ما يؤذي الآدميين ، إنما هو بمنزلة القوة والغضب ، إذا انقادت للمرّة وبلغت الكبد ، فلا تأتي على أنها مؤذية . / مثل ذلك مثل من أخذ نارا من نار فآذى غيره . فإنّا هنا أمام أمرين :
أو أن فاعل الأذى هو قدوم النار ، أو أن آخذ النار هو الفاعل لأنه هو الذي أعطى ما غدا ( النار ) كأنه ناقل شيئا ( النار الأخرى ) من مكان إلى مكان . أما النار فتكون قد أتت بالأذى بقدر ما أنّ من نقلت إليه لم يكن بوسعه أن يتلقّاها . /
42 ومن ثم فإن هذه الأمور لا تجعل الكواكب في حاجة إلى التذكّر ( ومن أجل ذلك كان سياق البحث كله ) ، ولا إلى إحساسات تنقل إليها . كما أنها ليس فيها إرادات تنعطف على أدعيتنا كما يظن بعضهم . بل إنه يصلنا منها العطاء ، مع دعاء أو بدونه ، بمجرد كونها أجزاء / ولأنها أجزاء كل واحد . بل إنّا نقول : إن في الكواكب قوى كثيرة تنبعث منها بدون إرادة ، وإنما ينبعث بلا حيلة يحتالها أحد ، أو صناعة يلجأ إليها ، ويجري كل ذلك كما تجري الأمور في الحيوان الواحد . ثم إن الشيء يستفيد من غيره أو يتأذّى به لسبب كونهما على ذلك مفطورين .
ولا ننسى صناعة الأطباء والسحرة بها يرغم الجزء على أن يمدّ غيره بشيء من قوته . / هذا وإن الكل يجود على أجزائه كذلك أيضا ، وإنما يفعل من تلقاء ذاته ، أو مدفوعا يجذب شيئا منه إلى الأجزاء . فإن الكل من أجزائه كلها على السواء طبعا ، بحيث أن صاحب الدعاء ليس غريبا عليه بحال . وإن كان صاحب الدعاء شريرا فليس يعجب أن يجاب إلى ما دعاه . فإن الشرير يستقي
تاسوعات أفلوطين — صفحة 372
مساهمون: أفلوطين
ص٣٧٢