الحادث لا يكون حدوثا فقط ، / إنما هو حدوث محدث معيّن في ظروف معينة . ثم أن لما ينفعل ولما من شأنه أن ينفعل فطرة ما تمتاز عن غيرها . والوجه الثاني في التعليل هو أن مزيج بعض التأثيرات ببعض كثيرة أفعاله ، ولو كان كل كوكب من الكواكب يؤدي بشيء فيه نفع للحياة .
ونقول أيضا : ربّ امرئ لم تجر العوامل النافعة طبعا لصالحه ، وما كان النظام السائد في الكل ليعطي دائما كل امرئ / ما ينبغي . فضلا على الشر الكثير الذي نضيفه نحن إلى ما يبلغنا من الكواكب . ومع ذلك ، فإنّ الأشياء كلها متضافرة لضمان الوحدة وهي ، بعضها مع بعض ، على توافق عجيب ويخرج بعضها من بعض ، حتى المتناقضات من المتناقضات . وذلك لأنها كلها من الكل وله . وإن كان ينقص أحد المحدثات شيئا لادراك كماله بسبب أن مثاله لم يحوّله إليه تحوّلا تاما ولم تضبط الهيولى ضبطا وافيا ، / فذلك لأن هذا المحدث حدث ولمّا تتوفر له كرامة المحتد ، فحرم منها وكان ساقطا مرذولا . ونتيجة كل ذلك هي أن بعض التأثيرات يحصل من قبل العلويات ، وبعضها يتأتى من الطبيعة التي عليها تستوي الأشياء ، ومنها ما تضيفه الأشياء من تلقاء ذاتها . ولكن ما دامت الأشياء كلها متناسقا بعضها مع بعض ، متآزرة على تحقيق الوحدة ، فان لها جميعا دلائل تدلّ عليها . أجل ، إن « الفضيلة / حرة ليس لها سيد » . ولكن أعمالها متشاوجة مع نظام الكل ما دامت أمور هذه الدنيا مرتبطة مع الملأ الأعلى ، وما دامت أشياء عالمنا الكلي تابعة للحقائق التي كان حظها من حياة الإله أوفر . وقصارى الكلام ، ما دام الحي إنما يستمدّ حياته من الاشتراك مع الروحانيات .
39 إن ما يحدث في العالم الكلي لا يخضع في حدوثه لأحكام البنى البذرية ، بل لأحكام البنى المعنوية التي تشتمل عليها ، والتي هي بنى أمور تفوق مقاما تلك التي تتضمنها البنى البذرية . ذلك لأنه لا يكمن في البنى البذرية محدث قطّ يتجاوز في امتداده نطاقها في حدّ ذاته .
كما أنّا لا نجد فيها شيئا مما تأتي به الهيولى اشتراكا مع الكل / أو من تفاعل بعض المحدثات مع بعضها الآخر . بل الأحرى بالقول في عقل العالم الكلي هو أنه أشبه شيء بعقل الإنسان إذ يضع للدولة نظمها وأحكامها . فإن للعقل آنذاك علما سابقا بما يعمل أهل البلد وعما ذا ينطلقون في أعمالهم ، فيعمد إلى كل ذلك ويضبطه بالنظم ، / ثم يحيك بالأحكام انفعالات هؤلاء الناس وأفعالهم وما يترتّب عليها من ثواب أو عقاب . فتجري أمور البلد كلها عندئذ ، جريا سهلا كأنه ينطلق من تلقاء ذاته ، نحو الانسجام والتوافق . أما دلالة بعض الأمور على بعضها الآخر ، فليس غرضها الأول أن يكون بما سوف يحدث علم سابق ، بل أن يسترسل الحدوث بحيث يستدلّ فيه على شيء من أشياء أخرى . ذلك لأن الكل واحد والأشياء كلها أجزاء شيء واحد ، فيعرف الشيء من غيره ، / والعلة من المعلول ، والتابع من السابق ، والمركّب من أحد أجزائه ، لأن
تاسوعات أفلوطين — صفحة 370
مساهمون: أفلوطين
ص٣٧٠