تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاسوعات أفلوطين — صفحة 374

مساهمون:

ص٣٧٤
44 بقيت المشاهدة وحدها سالمة من السحر وتأثيره إذا ، لأنّ المرء إذا وجّه وجهه إلى ذاته ، أمن السحر وحيله . فإنه توحّد في ذاته ، وأصبح هو ذاته والمشاهد واحدا ، فليس عقله في ضلال ، بل إنه يعلم بما يجب عمله ، فيحيا حياته الخاصة ، ويفعل أفعاله . أما في حيّز العمل ، فلا يكون المرء مع ذاته في ذاته ، ولا ينبعث الاندفاع من العقل ، / بل إن الأصول إلى البهيمية تعود ، وإلى الهوى والانفعال تردّ المقدّمات . فإن الاهتمام بالأولاد وللحرص على الزواج جذبا لا شك فيه ، وإن ثمة كلّ ما فيه إغواء للآدميين تلتذّ بهم شهواتهم . ثم إن الأعمال التي تنبعث عن الغضب ، إنما هي أعمال بهيمية ، وكذلك أعمال الشهوة أيضا . أما تعاطي السياسة / والصبوة إلى تولّي المناصب ، فإنما يدعو إليها حب الرئاسة الكامن فينا . وإذا هربنا من الألم فبدافع الخوف ، أو سعينا وراء الكثير من المال فتلبية للشهوة . هذا وإنّا نعمل لسدّ الحاجات الطبيعية ولقضاء الضروريات المعاشية أيضا ، ولا يخفى ما في ذلك من ضغط علينا من قبل الطبيعة يشدّ بنا إلى الحياة . / وقد يقول قائل إن الأعمال الجليلة ، لا دخل للسحر فيها ، أو أنه يجب القول في المشاهدة أن السحر يقع عليها ما دامت مشاهدة للأمور الجليلة . فإن فعل ، أجبنا : إذا قام بالأعمال الموصوفة بأنها جليلة على أنها ضرورية ، ورأى أن الحسن الحق هو غير ذلك ، فإنه سالم من السحر وتأثيره . ذلك لأنه عالم بأن تلك الأعمال ضرورية ، / فلا يلتفت إلى هذه الدنيا ، كما أن حياته موجّهة إلى شيء آخر . إنما يكون خاضعا للسحر وتأثيره إذا اشتدّ عليه ضغط الطبيعة البشرية وكان شديد التمسّك بالحياة ، سواء أكانت حياته أو حياة غيره . ذلك لأنه ، في ما يبدو ، لا يزال خاضعا للسحر ما دام يرى أن العقل ربما كان لا يستسيغ الخروج من الحياة بالانتحار ، نظرا إلى تمسّك الإنسان بها . أما إذا كان يحسب ما في الأعمال ذاتها من حسن ، / وانخدع بآثار الحسن فأرادها ، غدا مسحورا باتباعه حسن السفليات . ذلك لأنّ كل سعي وراء ما يشبه الحق فقط ، وكل اندفاع في سبيله ، إنما هو عمل مخدوع بما يجذبه إلى كل ذلك . وهذا هو العمل الذي يبعث عليه ما في الطبيعة من قوى سحرية . فان اتباع ما ليس بالخير على أنه الخير ، / والانقياد إلى ما هو خير بالمظاهر فقط تحت دافع الغريزة العمياء ، إنما هو عمل رجل يساق ، وهو لا يدري ، إلى حيث لم يرد . ولعمري ، ما عسانا أن نقول في ذلك سوى أنه السحر بالذات ؟ فالرجل الوحيد الذي يسلم من السحر وتأثيره إذا ، هو ذلك الذي إذا جرّته ملكاته الأخرى ، لم يرض بشيء خيرا مما تدلّ عليه أنه الخير . بل إنه يرى خيرا ذلك الذي عرفه هو ذاته فقط ، وهو آنذاك ليس بمخدوع وليس بطالب ، / بل هو مستغن بما ملكت يداه . فلا يجذب قطّ بعد ذلك إلى صواب أو إلى جانب . 45 لقد تبيّن من كل ما قيل إذا ما يلي : إن لكل جزء من أجزاء العالم الكلي فطرته