تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاسوعات أفلوطين — صفحة 373

مساهمون:

ص٣٧٣
من النهر ، / هو أيضا ؛ أمّا المعطي ذاته ، فلا علم له بما يعطي ، بل حسبه أن يعطي . هذا مع العلم بأنّ الشيء ينسّق ويعطى تبعا لطبيعة الكل ، فيجب الّا يحكم في عمل من أخذ مما هو مباح للجميع أن يترتّب العتاب عليه حتما . ينبغي الّا نسلّم إذا بأنّ العالم الكلي بأسره خاضع للانفعال ، بل يجب في الجانب الراجح منه / أن نسلّم له بالتنزّه عن الانفعال مطلقا ؛ وإذا انفعلت أجزاؤه ، فإنما إليها ينتهي الانفعال غير أن شيئا لن يتنافى معه في طبيعته ، فيكون مع المحدث المنفعل بريئا من الانفعال كما أنه هو مع ذاته . أما الكواكب ، فإنها لها انفعالاتها من حيث أنها أجزاء ؛ ولكنها في حدّ ذاتها لا تنفعل . فإن الإرادة فيها ، هي أيضا ، لا تنفعل ، / كما أن أجسامها وطبائعها لا تصب قطّ بأذى . وإذا كانت بنفوسها تعطي شيئا من ذاتها ، فإن النفس لا تنقص ، وإن أجرامها باقية دائما على حال واحدة . وإن ذرب منها شيء ، فإن ما ينسحب منها خفي لا يحسّ به . أما ما يقبل عليها ، إن أقبل شيء عليها ، فإنه خفي لا يحسّ به أيضا . 43 والحكيم الفاضل ، كيف يكون خاضعا للسحر وأشربته ؟ ألا ، إنه لا يتأثّر بالسحر في نفسه ؛ فلا تنفعل نفسه الناطقة ولا تنقلب في أحكامها . بل إنه ينفعل بالقدر الذي فيه من نفس الكل البهيمية . أو بالأحرى ، إن هذه النفس هي التي تنفعل فيه . لكن الأشربة السحرية لا تولّد فيه عشقا ، / ما دام العشق بانقياد النفس الأخرى إلى ما تتأثّر به النفس البهيمية . وكما أن النفس البهيمية تنفعل بالعزائم السحرية ، فكذلك يستطيع هو أيضا ، بعزائم ونغمات سحرية تخالفها ، أن يردّ عنه القوى الكامنة فيها ويحلّها حلّا . وجلّ ما يقال عن تأثير هذه السحريات فيه ، هو أنها تجلب عليه الموت أو الأمراض وما شاكلها من الأمور الجسمانية . ذلك لأنه إنما ينفعل بجزء آخر أو بالكل من حيث كونه جزءا من أجزاء الكل ؛ / أمّا هو في حد ذاته ، فلا يناله قطّ أذى . ثم أن يتأخر التأثير ولا يقع فورا ؛ فليس ذلك من الطبيعة بأمر بعيد عن الاحتمال . هذا وإن الجن وذواتهم ، لا يسلّمون من الانفعال في جانبهم البهيمي هم أيضا . فليس التسليم لهم بالاحساس أمرا بعيدا عن الاحتمال ، كما أنهم يسحرون ويساقون بالأسباب الطبيعية ، ويسمع من الداعي من كان منهم قريبا إلى الأرضيات ؛ ومهما قربوا منها أسرعوا في الإجابة . / فإن ما كان له علاقة بغيره ، كان قابلا أن يسحر به ، لأن هذا الآخر يسحره ويسوقه ، ولا يسلم من آثار السحر إلّا ما ليس له علاقة إلّا بذاته . ولذلك كان للسحر تأثيره في كل عمل وفي كل حياة منصرفة إليه ، لأن أهل العمل يميلون إلى ما يطربهم ويجذبهم . ومن ثم قول أفلاطون : « إن في أمة / اركتوس الهمام وجوها تفتنّ بحسنها » . ولعمري ، لما ذا يميل المرء إلى غيره ؟ ألا ، إنه لا يجذب بحيل السحر ، بل بحيل الطبيعة التي تغش وتوهم ، والتي تجمع بين الشيء وغيره بجمع لا يتم في المكان ، بل بالأدوية التي تسكبها .