الكل إذا فعل عمد إلى جزء وإلى غيره في آن واحد . وان كان قولنا صحيحا وجدنا فيه حل مشكلاتنا . أما مسألة الشر في العالم هل يصدر من الآلهة ، فإنها تنحلّ بما يلي : ليست الإرادات هي الفاعلة ، / بل إن ما يصل من العالم الأعلى إنما يحدث بالحتمية الطبيعية ، بمعنى أن الأجزاء تؤثّر في الأجزاء ، وهي كلها تبع الحياة الكل الواحد . ثم إن الأجزاء من تلقاء ذاتها تضيف الشيء الكثير إلى الحوادث . فضلا على أن ما يبلغنا من الكواكب نجما نجما على انفراد ليس شرّا ، إنما يحدث في اختلاطها مع شيء آخر ليس منها . هذا ولا ننسى أن الحياة ليست حياة من أجل الجزء بل من أجل الكل / ، وأن الطبيعة التي تستوي الأشياء عليها إنما تتلقّى أثرا ثم يكون انفعالها على غير ما تلقّته ، فلا يسعها أن تقبض على ما وصلها وتتحكّم فيه .
40 أما الرقى السحرية فما القول فيها ؟ ألا ، إنّها تعلّل بالتفاعل المتبادل في الكل ، وبأن الأشياء فطرت على توافق بعضها مع بعض إن كانت متشابهة وعلى تنافر بعضها من بعض إن لم يكن بينها وجه شبه ، وباختلاف القوى الكثيرة المتساندة في عملها لخير الحيوان الكلي الواحد أخيرا . ذلك لأنه كثيرا ما يحدث الجذب وتحدث الرقية ولا محتال يلجأ إلى السحر وحيله . ثم إن السحر الحق / الكامن في العالم الكلي إنما هو « المودّة والكراهية » . هنا نجد الساحر الأول وصاحب الأشربة السحرية . وإن الناس يعرفونه ، فيستعمل بعضهم على بعضهم الآخر أدويته وطلاسمه . الواقع هو أنهم فطروا على الحب ، وأن عوامل الحب تجذب بعضهم إلى بعضهم الآخر بفعل صناعة تثير العشق بوساطة الرقى السحرية . / فإنهم بذلك يضمّون إلى عمل الملامسات عمل الطبائع الفطرية التي ينقاد بعضها إلى بعض ، وتنطوي على العشق الغريزي الكامن فيها . ولا غرو إن كانوا بذلك يجمعون بين النفس والنفس ، مثلما يفعلون إذا وصلوا بين غرس نباتي وغيره وهما متباعدان . ثم إنهم يلجئون إلى هيئات تنطوي على قوى خاصة بها ، ويتكيّفون هم ذواتهم / بأحوال يسوقون إليها بوساطتها قوى وذلك عن طريق الهمس والإشارة فقط . وإنهم يفعلون لأنهم في كلّ واحد عليه يقع عملهم . ولعمري ، إنّا لو افترضنا رجلا من هذا النوع مقيما خارج العالم الكلي ، لما كان بوسعه أن يجذب سعدا أو يدفع نحسا برقاه وعزائمه . أما وهو كما ذكرنا ، ليس في عشواء من أمره ، فإنه قادر على أن يسوق الشيء ببصيرة حيث يجب أن يساق إلى غيره في العالم الكلي . / هذا وإن قوة الجذب مستكنة في الغناء تنطلق منه باللحن وبنغمة الصوت الخاصة ، كما أنها مستكنة في الهيئة التي يتكيّف بها الساحر . فلكل هذا تأثيره ، وهو أشبه شيء بالشجو تثيره هيئاته وأصواته . ولكن ما عسى أن نقول عن النفس ؟ فإن الإرادة ليست هي التي تطرب للموسيقى ، ولا العقل أيضا ، بل النفس البهيمية ؛ وهذا الضرب من السحر لا يعجب من أحد . / هذا على أن غواة الموسيقى قد يطربون لها في
تاسوعات أفلوطين — صفحة 371
مساهمون: أفلوطين
ص٣٧١