ذلك هي قوة الاختلاف في الهيئة ؟ ثم لما ذا نثبت للألوان / قوة وتأثيرا ، وننفي ذلك عن الهيئات ؟ هذا وإنه ليس من المعقول إجمالا أن يكون شيء من بين الأشياء ، ثم ينفي عنه ما يكون قوّته بالذات . فالشيء شيء من حيث أنه يفعل أو ينفعل . وبين الأشياء ما نسلّم له بالفعل ضرورة ، في حين أنّا لغيره نثبت الفعل والانفعال معا . ولسنا غافلين عن أنّ إلى / جانب الهيئات قوى أخرى في الأشياء ، وعن أن في دنيانا الكثير ممّا لا يعلّل بالحرارة أو البرودة . بل أن يقوم على الاختلاف في الصفات ، بعد ان عمرته البنى المعنوية بمثاله النوعي ، فيشارك الطبيعة في قواها . مثل ذاك مثل الحجارة في فطرتها والنبات في نشاطه ، وما أكثر ما يأتي به من المدهش العجيب . /
36 إن اختلاف العناصر إنما يبدو على أشدّه في العالم الكليّ ، الذي ينطوي على البنى المعنوية كلها وعلى قوى متنوعة بعدد لا نهاية له . فللعين في الإنسان قوة تنفرد بها ، كما أن للعظم قوة تختلف عن التي في عظم آخر : وهذا يصحّ على العظم في اليد وعلى الذي في بأهم القدم . فليس من عضو إلّا وله قوته ، وهي تختلف عن قوة غيره ؛ / والانسان جاهل لهذه الأمور ، ما لم يطّلع بالعلم عليه . وإن كان هذا القول ليصدق على الإنسان في أجزائه ، فهو بأن يصدق على العالم الكليّ أحرى ، ولا سيما أن كل الذي سبق ذكره ليس إلّا أثرا لما يشتمل عليه الكل . أجل ، إن فيه من القوى تنوّعا عجيبا لا يحاط به وصفا . وكذلك القول عمّا في السماء من متحرّكات . ذلك لأنّ العالم الكلي ليس بمنزلة بيت لا نفس فيه ؛ / قد يكون ، نعم ، عظيما كثير المواد ، تدخل فيه متنوّعة سهلة الاحصاء ، مثل الحجر والخشب إلى ما سواهما إن شئنا ، ثم وجب فيه أن يتحوّل بكل ذلك إلى عالم ذي تناسق وأحكام . كلا ! بل إن العالم الكلي إنما هو في حال اليقظة التامة ، يحيا كل جزء من أجزائه بحياة تختلف عن حياة غيره ، وما كان شيء ليخرج عن نطاقه . فلا غرو ، إن كنّا نجد في هذا القول حل مشكلتنا / في كيف ينطوي حيوان منفوس على غير ذي نفس . يعني قولنا إن لكل شيء في العالم الكلي حياته ، وهي تختلف عن حياة غيره . أما نحن ، فإنّا ننفي الحياة عن الشيء إذا تحرّك من تلقاء ذاته ، ثم لم يحسّ بحركته . فالواقع هو ان كل فرد جزئي إنما يحيا بحياة خفيّة ، ويتألّف الحي الذي يحسّ بحياته من أحياء لا تحسّ بحياتها ، نعم ، ولكنها تكفل لهذا الحي الممتاز قوى / عجيبة لها تأثيرها في حياته . ولا غرو ، فإنه لا يسع الآدمي أن يتحرّك كما يفعل ، لو كانت القوى الكامنة فيه والتي ينبعث منها تحرّكه قوى خيالية من النفس مطلقا . وكذلك الأمر في العالم الكلي أيضا : فإنه لم يكن ليحيا كما يحيا لو لم يكن كل حي من الأحياء التي ينطوي عليها ليحيا بحياته الخاصة ، مع العلم بأنه ليس لهذا الشيء الجزئي إرادة . ذلك لأن العالم الكلي ذاته يفعل أفعاله ثم لا يحتاج
تاسوعات أفلوطين — صفحة 368
مساهمون: أفلوطين
ص٣٦٨