هذه الذات ليست في حقيقتها دافعا غريزيا ، بل ربما كانت القوة الفاعلة التي ، إذا فعلت فعلها حقا ، جعلته خاصتها ، فكفلت بذلك للدافع الغريزي اكتماله . هذا فضلا على أن القول في أثر النفس الذي تحوّل غضبا أن محله / القلب ، ليس قولا يتنافى مع المعقول . فإنّا بذلك لسنا نعيّن للنفس محلها ، بل نعيّن للدم محله إبّان انبعاثه وهي حينئذ دم ذلك الجسم الخاص على ما ورد وصفه .
29 وكيف لا يحتفظ الجسم بشيء من الحياة إذا خرجت « النفس الأخرى » منه ، ما دام يشبه شيئا انتشرت فيه الحرارة ، لا شيئا أشعّ فيه النور ؟ بل إنه يبقى لديه من الحياة القدر القليل ثم لا يلبث أن يذبل ، كما هو الأمر في الأجسام الساخنة إذا ابتعدت عن النار . ويشهد لذلك الشعر الذي ينبت في الجثة / الهامدة ، والأظفار التي تستمر في نمائها آنذاك ؛ ثم إن من البهائم ما إذا قطّع إربا إربا تحرّكت منه إربه . وربما يحدث ذلك ما لا يزال كامنا في الجثة من الحياة . ومع ذلك ، إن لم يكن ما تبقّى من الحياة ينسحب مع « النفس الأخرى » ، فإنه ليس في هذا دليل على أن الطرفين هما شيء واحد . فإن الشمس إذا انسحبت ، لا ينسحب معها النور الذي ينبعث منها مباشرة فيتّجه أينما تتجه ويبقى مرتبطا بها فقط . / إنما ينسحب أيضا ما ينعكس من هذا النور على الأمور الخارجة عنه والذي نشاهده منتشرا على الأشياء المضاءة . وهما نوران يختلف أحدهما عن الآخر . ولكن هل يكون قد انسحب آنذاك أو يكون الفناء قد اعتراه ؟ هذه مسألة يجب الكشف عنها بالنسبة إلى النور الذي نحن في صدده ، وبالنسبة إلى الحياة الثابتة في البدن ، والتي وصفناها بأنها خاصته . / إنه لا يبقى شيء من النور بعد انسحابه من الأشياء التي كان قد أشعّ فيها إذا : هذا أمر لا شك فيه . ولكن موضوع بحثنا هو فيما إذا كان هذا النور المنسحب يعود فينصبّ في فاعله ومعينه ، أو إنه ينعدم ولا شيء منه بعد ذلك . ولكن كيف ينعدم انعداما مطلقا بعد أن كان شيئا حقا ؟ فنقول بوجه الاجمال إن للأجسام التي ينبعث منها النور ذاتها ، ما نسمّيه لونها . / فإذا اعترى الأجسام الفساد تغيّرت وانعدم لونها ، ثم لا يسأل أحد بعد ذلك عن لون النار أين يكون إذا فسدت النار ، كما أنه لا يسأل أيّان شكلها أيضا . فأنّى لنا أن نقول ذلك ؟ ألا ، إن الهيئة هي وضع ما يكون الشيء عليها مثل ضمّ الكفّ وبسطها . أما اللون فليس كذلك أمره ، بل إنه مثل أمر الحلاوة . فما يكون المانع عن أن يفسد / الجسم الحلو ثم لا تنعدم حلاوته ، أو عن أن يفسد الجسم الطيّب الرائحة ولا تنعدم رائحته الطيبة ؟ ما الذي يمنع هذه الأوصاف من أن تكون قد انتقلت إلى جسم آخر ، ثم لا تدرك فيه بالحس ، لأن هذا الجسم الذي تلقّاها ليس بحيث تلتقي الحواس بأوصافه . وكذلك القول في النور / الذي ينبعث من الأجسام التي يعتريها الفساد : فإنه يبقى ولو لم تبق مناعته الناتجة عن تماسك بعض عناصره مع
تاسوعات أفلوطين — صفحة 359
مساهمون: أفلوطين
ص٣٥٩