تجعلها على ما تستلزمه الطبيعة . أما الخطابة والموسيقى وكل فن آخر له تأثيره في النفس ، فإنها فنون تحدث تغيّرات في أحوال الإنسان فتسوقه إلى الخير أو الشر ، / وفيها يجب البحث عن عددها كم هو ، وعن مدى طاقتها وتأثيرها . هذا وإنه ينبغي علينا أخيرا ، إن أمكن الأمر ، أن نميّز بين كل هذه الصناعات فنهتم اهتماما خاصا بما فيه نفع لحاجاتنا الحاضرة ، وأن نتبيّن السبب في ذلك على قدر المستطاع . هذا وإنه ليس في الأمر شك أن للحركة الدورية أفعالها :
فإنها تنظّم أوضاعها المختلفة أولا وأوضاع الكواكب التي تحملها في جنباتها ، / كما أنها تؤثّر حتما على الأرضيات ، ليس على الأجسام فقط ، بل على أمور النفس أيضا . فضلا على أن لكل جزء من الأجزاء السماوية عمله على الأرضيات ، ولا سيما على السفليات منها . وكل ذلك واضح من وجوه عديدة . أما إذا كان للأرضيات تأثير على السماويات ، فهذا بحث نرجئه إلى مقام آخر ، فإنّا الآن نعمد إلى ما يسلّم به الجميع أو أكثر الناس ، / ونفترضه صحيحا بقدر ما يظهر كذلك بالعقل . الأمر الذي يقضي علينا أن نحاول شرح الوجه الذي تلجأ الكواكب إليه لتفعل أفاعيلها ، فنقبل على البحث في هذه الأفاعيل عند أول انبعاثها . يجب الّا نقول في الشمس أنها تفعل بمعنى أنها تحدث الحرارة والبرودة فقط ، وما على شاكلها من تلك الأوصاف المعروفة بأوليّات الأوصاف في العناصر أو من تلك التي تخرج من مزيجها . كما أنه يجب النفي عن الفعل أنه يصير كلّا بالتسخين لدى الشمس ، وبالتبريد لدى كوكب آخر / ( وما عسى أن يكون مقام البرودة في جسم سماوي من نار ؟ ) ، وبرطوبة النار لدى كوكب ثالث .
فإن قلنا بمثل هذا القول استحال علينا فهم الاختلاف الواقع بين أفاعيل هذه الأمور . فضلا على أنه يستحيل علينا أيضا آنذاك أن نردّ إلى شيء منها الكثير من المحدثات . ذلك لأنه إذا ردّ بعضهم إلى الكواكب الاختلافات في الأخلاق بمعنى أنها تتكيّف بتكيّف الأمزجة / في الأجسام ، وأن هذه الأمزجة تكون على الحال الذي يجعلها فيه رجحان البرودة أو الحرارة ، فإنّا لا نسلّم بقوله . ولعمري ، كيف نعلّل حينئذ الحسد أو الغيرة أو الاحتيال بتلك الأوصاف ؟
وإذا فعلنا ، فما عسى أن نقول على الأقل في الحظوظ شرها وخيرها ، وفي الغنى والفقر ، وفي كرامة المحتد أو في اكتشاف الكنوز أيضا ؟ / وما أكثر ما يستطيع المرء أن يذكره مما يسوقه بعيدا عن الأوصاف الجسمانية وهي خارجة من العناصر الأولى منسابة في النفس أو في جسم الحيوان ؟ هذا وإنه يجب الّا ننسب إلى إرادة في الكواكب وإلى قصد في الكل ، أو إلى نظر فيهما عن هذه الأمور ، ما يطرأ على كل جزء من الجزئيات التي تقع تحتها . فما أبعده قولا / عن فيهما عن هذه الأمور ، ما يطرأ على كل جزء من الجزئيات التي تقع تحتها . فما أبعده قولا / عن العقل قولنا بأن هذه الأمور هي التي تدير أحوال الناس بحيث يصبح بعضهم لصّا أو تاجرا في الرقّ ، أو ناقبا على غيره حائطه ، أو هاتكا حرمة القدسيات ، أو جبانا أخيرا متخنثا في فعله وانفعاله يرتكب الفواحش التي يندى لها الجبين خجلا . ليس ذلك مما يليق بالآلهة ! بل إنه لا
تاسوعات أفلوطين — صفحة 362
مساهمون: أفلوطين
ص٣٦٢