وإن كان ذلك كذلك ، فلما ذا لا نسلّم للأرض بأنها تحسّ ؟ / ولكن من أي نوع يكون إحساسها ؟ ولما ذا لا نسلّم لها باللمس أولا ؟ ثم لما ذا لا نقول أنها تحسّ بجزء من أجزائها الأخرى ، على أنه يسلك بالإحساس من جزء إلى جزء حتى ينتهي إلى الجزء الراجح ؟ ولما ذا لا نقول أخيرا ، « إنها بكاملها تدرك النار والعناصر الجسمانية الأخرى ؟ ذلك لأنه إذا كان جسمها يصعب تحرّكه إن كانت صغيرة ، بل تحسّ بالحركات إذا عظم قدرها . / ولما ذا ؟ ألا لأنه ما دامت الأرض شيئا منفوسا ، فإنها لا تفوتها الحركات إذا عظم قدرها . ولا يمنع مانع من أن تكون الغاية من إحساسها أن تسوّي أوضاع الآدميين ، بقدر ما تعود أوضاعهم إليها . وأنها لتفعل عن طريق ما يكون بمنزلة التفاعل المشترك : فتستمع إلى المصلّين وتقبل أدعيتهم ، / على غير ما نفعل نحن . وإذا وردت عليها الإحساسات الأخرى أصبحت قابلة للانفعال في حق ذاتها أيضا .
والانفعال الذي يرد عليه لصالح الأمور الأخرى ، مثل الإحساس بالروائح وبما يثير الذوق عند غيرها ؟ إلّا أن الغاية قد تكون مما يفوح بروائح العصير هي العناية بعالم الحيوان ، وحفظ جسمانية الأرض ذاتها متماسكة البنيان جاهزة للعمل دائما . هذا ويجب الّا نطالب للأرض بكل ما لدينا من أدوات للحس . / فإن هذه الأدوات لا تتيسّر حتى للحيوانات كلها . ليست الآذان في كل الحيوان مثلا ، ومع ذلك فإن غيابها عن المحروم منها لا يمنعه عن أن يدرك الضجة . والبصر كيف يتمّ وهو لا يكون بغير نور ؟ ذلك لأنه يجب في الأرض الّا نطالب لها بعيون . لكن ما دمنا قد سلّمنا بوجود قوة غذائية في الأرض ، وجب أن نسلّم أيضا بأحد أمرين :
أو أن القوة الغذائية هي كامنة في الروح الحيواني بالذات ، فتكون للأرض أصلا وعلى هذا الوجه أبدا ، أو أن القوة الغذائية هي الروح الحيواني بالذات . / فلما ذا يجب ، عند ذلك ، أن ننفي عن هذه الأمور كونها شيئا شفّافا . لا بل إنّا نقول : إن كانت القوة الغذائية روحا حيوانيا ، فإنها شفافة لا محالة . وما دام النور يشعّ فيها منبعثا من دائرة السماء ، فإنها شفافة حقا وفعلا .
ومن ثم فإنه ليس من المستبعد ولا من المستحيل أن تكون النفس الكامنة في الأرض نفسا ترى وتشاهد . بل يجب في مفهومنا للنفس الّا يكون مفهوم نفس صاحبها جسم خسيس . وبالتالي فإن النفس أمر ربّاني . / ذلك لأن ما يصحّ على هذه النفس بوجه الإطلاق هو أنها فاضلة دائما .
27 ويرد الآن السؤال عمّا إذا كانت الأرض تمدّ النبات بالقوة المولّدة ، سواء أكانت تعطيه هذه القوة بالذات أو كانت هذه القوة باقية في الأرض وأثرها في النبات قوته المولّدة . فإن النبات ، ولو كان على هذه الحال ، إنما يصبح مثل البدن المنفوس ، إذ أنه ، إن كان حاصلا على ذلك الأثر ، قد تلقّى في ذاته القوة المولّدة ذاتها أيضا . فإذا استقرّت فيه أمدّت جسمه بخير ما لديه وبما يتميّز به عن النبات / المقطوع الذي لا يكون نباتا بعد ذلك بل خشبا فقط . ولكن جسم
تاسوعات أفلوطين — صفحة 356
مساهمون: أفلوطين
ص٣٥٦