ينبعث من القوة الغذائية ، بل إن له انطلاقة من محل آخر . لكن بادرة الغيظ تابعة للأحوال الجسمانية : إن أصحاب الدم الحار والمرّة اللاهبة / سريعة ، والغضب ، في حين أنه يكاد لا يظهر عند من لا مرّة لهم ويعرفون بفتور الهمّة . فضلا على أن البهائم لا تثور إذا ثار عند غيرها ثائر ، بل عندما تتصوره ضررا عليها . وإن كان ذلك كذلك ، فإنّا نعود ونميل بالأحرى إلى أن نردّ الغضب إلى الجسم وإلى ما يمسك الحيوان في بنيانه العضوي . / ثم إن المرء ذاته هو أسرع إلى الغضب مريضا منه صحيح البدن ، وصائما منه مفطرا . فإن كان الأمر كذلك ، فإنه يدلّ على أن الغضب في ذاته وفي إبّان انبعاثه إنما هو غضب الجسم كما وصفناه . كما أنه يدلّ أيضا على أن المرّة أو الدم هما اللذان يحدثان تلك الحركات الخاصة ، وكأنهما يجعلانها نفسانية . فإذا أصاب ذلك الجسم وهو في حاله الخاصة انفعال ، / هاج الدم والمرّة على الفور ، ثم يتنبّه الإحساس ويليه التخيّل فتنهض النفس وتجمع بينه وبين حال الجسم آنذاك ، مجهز على الذي أحدث الأذى . ثم إن هنالك الغضب الذي يأتي من فوق : إذا بدا ظلم ما لا علاقة له بالبدن ، وجدت النفس الدافع الذي تكلمنا عنه على حال الأهبة ، إذ أنه مفطور على ردّ كل مقاوم يعدو ، فاتخذته لها حليفا . / إن الغضب غضبان إذا : الغضب الغريزي الأصم الذي يهيّج فيستثير العقل بوساطة التخيّل ، والغضب الذي ينبعث من العقل وينتهي إلى الغليان الغريزي . وكلاهما ينبع من القوة الغذائية والمولّدة التي تعدّ الجسم جهازا كأنه يدرك اللذة والأذى ، / وهي التي تكون قد جعلته آنذاك ذا مرّة ومرّا . فإذا انتهى أثر النفس في مثل هذا الجسم إلى حالة مثل هذه الحالة ، تهيّج بحيث يمتعض ويغضب ، فيصبح على سوء الحال هو أوّلا . وإن غدا كذلك حاول أن يجعل الأشياء الأخرى على سوء الحال أيضا ، إذا جاز لنا القول ، وأن يصيّرها شبيهة به هو ذاته . / ويدل على أن أثر النفس الذي نحن في صدده ، هو في حقيقته من جنس أثر النفس الآخر ، أي الشهوة ، كون الذين ضعفت رغبتهم في اللذات الجسمانية وأصبحوا ، إجمالا ، يبالون بالجسد أقل انقيادا للغضب ، وذلك بمناعة غريزية لا دخل للعقل فيها . هذا ويجب الّا نعجب من أن الشجر لا يغضب بالرغم من حصوله على القوة الغذائية : فإنه لا نصيب له من دم أو مرّة . / وإذا توافرا بدون إحساس ، لم يحدثا إلّا غليانا فقط وشيئا كأنه الهيجان ؛ ثم إن عرض الإحساس ، نهضت الغريزة في وجه العادي لتدفع ضرره . هذا وقد يقسّم بعضهم جانب النفس الغريزي الأصم إلى القوة الشهوانية / وإلى القوة الغضبية ، على أن تكون القوة الغضبية أثر القوة الشهوانية في الدم أو في المرّة أو في المركّب من الجسم وأثر النفس . فإن فعلوا لم يكن تقسيمهم صحيحا لأنه يؤدّي إلى التمييز بين متقدّم ومتأخّر . ولكنه لا يمنع من أن يكون كلاهما متأخرا ، فيغدو التقسيم تقسيما إلى شيئين مشتقين معا من أصل واحد . / والواقع هو أن التقسيم هنا إنما يتناول دافعين غريزيين من حيث أنهما كذلك ، ولا يقع على الذات التي انبعثنا منها . فإنّ
تاسوعات أفلوطين — صفحة 358
مساهمون: أفلوطين
ص٣٥٨