الإبصار آنذاك كأنه في حدّ ذاته إنه ليس خاصة الفلك الثابت ، بل كأنه خاصة بصر يطلع نفس العالم الكلي على ما يشاهده ؟ ذلك لأنه ، لو لم يكن هذا الفلك خاضعا لسائر الانفعالات فما له لا يبصر مثلما تبصر العين ، وهو مثال نوراني منفوس ؟ ولكن العالم الكلي « لا يحتاج إلى عيون » ، فيما يقول أفلاطون . وإن كان « لا يحتاج إلى عيون » ، إذ لم يبق أي شيء مشهود خارجا عنه ، / فإنّ فيه على الأقل ما يشاهد ، ثم ما كان قطّ مانع ليمنعه أن يشاهد هو ذاته بذاته . أما إن كان « لا يحتاج إلى عيون » لأن مشاهدته لذاته بذاته ضرب من ضروب العبث ، فإنّا نذهب إلى أنّ العالم الكلي لم ينسّق بما هو عليه لأجل الإبصار قبل كل شيء آخر ، بل إن الإبصار فيه إنما هو ناتج حتما عما هو عليه في ذاته . ولعمري ، لما ذا لا يتمّ الإبصار لجسم شفّاف من هذا الطراز ؟ / 25 إلّا أنّ وجود ما ندرك به لا يكفي حتى نشاهد ، أو حتى نحس بوجه الإجمال . بل يجب في النفس أن تكون بحيث تميل إلى المحسوسات . ولكن النفس دائما في حال التوجّه إلى الروحانيات . فإن الإحساس لن يتم لها ، حتى ولو كان بوسعها أن تحسّ ، لأنها متّجهة نحو الأمور الفاضلة . / فقد يحدث لنا ، نحن أيضا ، أن نغفل عن سائر مشاهداتنا وإحساساتنا ، عندما نكون مستغرقي القلوب في الروحانيات ، وما دمنا على هذه الحال . وقصارى الكلام ، أنّا ، مهما انصرفنا إلى شيء أغفلنا الأشياء الأخرى . ثم إن قصد المشاهد أن يدرك بجزء من أجزائه الأخرى ، فكأنه آنذاك ينظر بذاته إلى ذاته ، إنما هو ، عندنا أيضا ، لغو وعبث ؛ وهو عمل عابث ، إلّا إذا انصرف إليه صاحبه وله فيه غاية . / أما مشاهدة الآخر في مظهره على أنه جميل ، فإنه عمل من كان سريع الانفعال ناقصا في ذاته . هذا ولربما رأى بعضهم في إحساسات الشم والسمع وذوق العصير عوارض ووساوس تشتّت النفس . أما الشمس والكواكب الأخرى فإنها قد يحدث لها عرضا أن تشاهد وتسمع . فإذا كانت ، بوساطة هذين الحسّين ، تميل بوجهها إلى الأسافل حقا لتعطف علينا ، فإن هذا القول ليس قولا ينبو العقل عنه . / ولكن إذا فعلت وعطفت ، فإنها تتذكر أيضا ، إذ أنه ليس من المعقول أن ننسى ما قامت به من برّ وإحسان . وكيف تقوم بأعمال البرّ والإحسان إن لم تكن تتذكّر ؟
26 هذا وإن للكواكب علما بصلواتنا عن طريق ما كأنه اتصال ونوع من التماسك يقومان على تناسق بعض الأمور ببعضها الآخر ؛ وعن هذه الطريق نستجاب وتقضى حاجاتنا . وإنّا لنجد كل شيء منسّقا بحكم هذا التماسك ، حتى في صناعات السحرة . ولا غرو ، فإن هذه الأمور كلها ، سحر وصلوات ، إنما هي خاضعة لتفاعل مشترك بين قوى متتابعة مرتبط بعضها ببعضها الآخر .
تاسوعات أفلوطين — صفحة 355
مساهمون: أفلوطين
ص٣٥٥