تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاسوعات أفلوطين — صفحة 353

مساهمون:

ص٣٥٣
منها إلّا عرفانا . أما إذا أدركت شيئا غريبا عليها ، فيجب فيها أن تكون قد حصلت على الشيء أولا ، سواء أتصبح آنذاك شبيهة به أم تصل بينها وبين ما كان شبيها بها . ولكن التشبّه أمر يستحيل عليها ما دامت باقية في ذاتها مع ذاتها : فأنّى للنقطة أن تتشبه بالخط ؟ بل إنه لا سبيل للتسوية بين الخط الروحاني والخط الحسي ؛ وكذلك القول في التسوية بين النار الروحانية / والإنسان الروحاني من ناحية ، والنار الحسيّة والإنسان الحسّي من الناحية الأخرى . ثم إن الطبيعة التي صنعت الآدمي لا تصير هي والآدمي الذي أحدثته شيئا واحدا . بل إنها ، إن كانت وحدها ، إنما تنتهي بإدراكها إلى الروحانيات ، حتى لو استطاعت أن تتّصل بالحسيّات ، إذ أن الحسيّات نقلت من هذه الطبيعة ما دامت محرومة ممّا تدركها به . هذا فضلا / على أن النفس قد تشاهد عن بعد شيئا مبصرا . فمهما يكن الافتراض قويا ، يأتيها من هذا المبصر مثال ، بقي أن ما يظهر لها في بداية أمره كأنه شيء غير متجزّئ يصبح نهائيا في ما يستوي المثال . ذلك لأن النفس لا تلبث أن ترى اللون والشكل ممتدّين في الكم على حالهما في الشيء المشاهد . يجب الّا نكتفي إذا بهذين الأمرين فقط : الشيء الخارج والنفس . ولا سيما لأن النفس لا تنفعل . بل لا بدّ من أمر ثالث يكون من شأنه أن يقبل الانفعال ، / أعني أن يتلقّى الشكل . يجب في هذا الحد الثالث أن يكون بينه وبين الشيء في الخارج تفاعل ، وأن ينفعل بما ينفعل به الشيء ، وأن يكون الطرفان كلاهما من هيولى واحدة . فينفعل الحد الذي نحن في صدده ، ثم تدرك النفس وتعرف . أمّا الانفعال ذاته ، فيجب فيه أن يتم بحيث يحتفظ بشيء من الفاعل ، ثم لا يصبح ، مع ذلك ، هو والفاعل شيئا واحدا . بل إنه ، ما دام ذلك الحد الثالث قائما بين الفاعل والنفس ، / كان انفعاله بمنزلة الوسط المتناسب بين المحسوس والروحاني ، يجمع ، من وجه ما ، بين هذا وذاك . فإنه يتلقّى من ناحية ، ويبلغ إلى الأخرى ، فيصلح لأن يشبّه بالطرفين كليهما . ذلك لأنه ، ما دام أداة النوع من المعرفة ، يجب فيه الّا يكون هو والعارف ، أو هو والمعروف ، شيئا واحدا . بل إنه يصلح / لأن يتشبّه بالطرفين كليهما : يتشبّه بالشيء الخارج بوساطة الانفعال ، ويتشبّه بالنفس العارفة لأن انفعاله يتحوّل إلى مثال يستوي فيها . فالقول الصحيح إذا هو أن الإحساس إنما يتم بوساطة الأدوات الجسمانية . وهذا ناتج عن أن النفس لا تدرك قطّ محسوسا ، إذا كانت خارج البدن مطلقا . / أما الأداة فيجب فيها أن تكون إما البدن بأسره ، وإما جزءا ما من البدن يخصّص لعمل ما معيّن : مثل ذلك ما يتمّ في اللمس وفي البصر . فإنّا نرى الأدوات الصناعية تقوم بين صاحب الصناعة الذي يحكم وبين الشيء الذي يحكم عليه ، فيطّلع صاحب الصناعة على ما في محل عمله من خواصّ . فالمسطرة / تجمع بين الاستقامة التي في النفس ، وتلك التي تكون في الخشبة : تتوسّط الطرفين وتتيح لصاحب الصناعة أن يبدي حكمه في مادة صناعته . هذا وإنّا لنرجئ إلى مقام آخر البحث عمّا إذا كان يجب في الشيء المحكوم عليه أن يكون متصلا