تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاسوعات أفلوطين — صفحة 352

مساهمون:

ص٣٥٢
عليه من النبات الذي ينبت منها . ولكن ، إن / كنا نشاهد البهائم تخرج من الأرض كثيرة العدد ، فلما ذا لا نقول في الأرض أنها هي أيضا حيوان ؟ ثم إنه ، ما دامت حيوانا بهذا القدر العظيم ، وهي ليست من العالم الكلي ، بالجزء الصغير ، فلما ذا لا يقال فيها أن لها روحا ، وأنها بالتالي إلهة ؟ وإن قيل ذلك في كل كوكب من الكواكب ، فلما ذا لا يقال في الأرض أيضا ، ما دامت حيوانا / وجزءا من الحيوان الكلي هي أيضا ؟ والذي يجب فيها هو الّا يقال عنها إنها في قبضة نفس غريبة عليها تمسكها من الخارج ، وإنها ليس لها نفس تحييها من الباطن ، بداعي أنه يستحيل عليها أن تكون صاحبة نفس تنفرد بها . ولعمري ، لما ذا يتيسّر ذلك للأجسام النورانية ، ثم يستحيل على الجسم الأرضي ؟ فإن في الطرفين جسما بغير ألياف ولحم ودم وسوائل ، ولو كانت / الأرض شيئا كثرت فيه الممتزجات تألّف من الجسمانيات كلها . وإذا نفيت النفس عن الأرض بسبب أنها ثقيلة في حركتها ، أجبنا أن ذلك إنما يعود إلى أن الأرض من خواص اللحم ، كما أنه يجب إجمالا الّا يقال في النفس إنها تمدّ بالجسم حتى تحس ، بل يجب أن يقال في الجسم / أنه يمدّ بالنفس حتى يكون ويبقى محفوظا . إن للنفس قدرتها على التمييز ، وهي إذا تنظر إلى الجسم ، تنطلق من انفعالاته ، فتبدي هي حكمها وتميّز . وما هي انفعالات الأرض ، وعلى ما ذا تقع أحكامها ؟ فإن النبات ، بقدر ما أنه من الأرض ، ليس له قطّ إحساس . فعلى ما ذا يقع إحساس الأرض إذا ، وبوساطة أي شيء يتم ؟ / ألا ، أليس يجب أن نقدم على القول بأن الإحساس يتم بدون عضو ؟ ثم ما هي حاجة الأرض إلى الإحساس ؟ فإنها لا تحتاج إليه لتكفل لها المعرفة ، إذ أنه ربما كانت المعرفة بالحكمة والعرفان كافية لما لا يفيد شيئا من الإحساس ؟ ولكن هذا أمر ربما وجد من لم يسلّم به . ذلك لأن في الإدراكات / الحسية ، إلى جانب المنفعة ، معرفة لا تخلو من السحر في حدّ ذاتها ، مثل معرفة الشمس وسائر الأفلاك ، ومعرفة السماء والأرض : فإن لإدراك هذه الأمور بالحس لذّته في حدّ ذاته . غير أنه لا بدّ من التنقيب عن ذلك ما في بعد . أما الآن فنعود إلى سؤالنا عن الأرض إذا كان إحساس ، وما هي الحيوانات التي تنفرد بالإحساس ، وكيف يكون كل ذلك . والذي لا مناص به أولا هو أن نعود / إلى الإشكالات التي عرضت ، فنتبيّن بوجه الإجمال إذا كان الإحساس يتم بدون أداة ، وإذا كان للمنفعة حتى ولو وجدنا إلى جانب المنفعة شيئا آخر . 23 يجب في الإحساس أن نتصوّره على أنه إدراك للحسيات بوساطته تتنبه النفس أو الحيوان إلى الكيف الذي يلازم الجسم ، وتطبع في ذاتها شكل هذا الجسم وهيئته . هذا وإن النفس إمّا أن تدرك الشيء وحدها من تلقاء ذاتها ، أو أنها تدركه بوساطة غيرها ؛ أمّا أن تدركه وحدها ومن تلقاء ذاتها ، فكيف ؟ فإنها ، إن كانت مع ذاتها في ذاتها ، / إنما تدرك ما تنطوي عليه ، وليس ذلك