إليه . وغاية ذلك أن يدرك الإحساس وأن يكون أمينا في إنبائه عما يدركه . فالمرسل إذا انفعل استسلم إلى انفعاله ، فلا يبلّغ رسالته أو أنه لا يكون مرسلا أمينا .
20 ونتيجة كل ما سبق ذكره هي أن نجعل الشهوات البدنية ذاتها منبعثة من ذلك الشيء المشترك بين النفس والبدن ، ومن تلك الطبيعة الجسمانية على نحو ما وصفناهما . فيجب الّا نسلّم بأن كل جسم ، مهما يكن ، هو أصل الرغبة والشهوة ، ولا بأن طلب المرّ والحلو هو أمر عائد إلى النفس ذاتها . إنما نسلّم بذلك لما هو الجسم ، / على أنه لم يرد أن يكون جسما فقط ، بل أن يكون جسما تتناوله الحركة بأكثر مما تتناول النفس ، فيضطره ما يرد عليه من الخارج أن يصبح كثير التحوّل . ولذلك نراه على حال يطلب المر فيه ، ثم على حال آخر فيه يطلب الحلو ؛ أو أنه يسعى إلى البرودة تارة وإلى الحرارة تارة أخرى . ولم يكن ليهتمّ بشيء من كل ذلك ، لو كان وحده فقط . لقد ذكرنا سابقا أن الإدراك إنما ينشأ عن الألم / فتولّد النفس الهرب إذ أنها تريد أن تبعد الجسم عن سبب الانفعال . هذا بعد أن يكون العضو الذي ناله الانفعال أولا قد أنذر بالشيء ولاذ بالفرار من وجه ما ، فعمد هو ذاته إلى الانفعال . وكذلك القول أيضا في الإحساس الذي يدرك ، وفي النفس من حيث أنها تجاور الجسم وتسمّى الطبيعة ، وهي التي تمدّ الجسم / بمسحة من نفس . فالرغبة تنبعث من الجسم وتنتهي صافية واضحة إلى الطبيعة ، كما أن الإحساس ينتهي بالصورة الخيالية . ثم تقبل النفس عليها ، فإما أن تفسح لها مجالا إليها ، إذ أنها هي وحدها صاحبة الأمر هنا ، أو أنها تقاومها ، وهي تفعل هادئة معتدلة ، لا يهمها الجسم الذي بادر إلى الرغبة ، ولا الطبيعة التي تبعته في هذه الرغبة بعد ذلك . ولكن لما ذا هاتان / الشهوتان ، ولما ذا لا يكون المشتهي ذلك الجسم وحده وهو على ما وصفناه ؟ ألا ، إن الطبيعة شيء ، وذلك الجسم الحيواني شيء آخر . فإن الطبيعة هي التي تحدثه إذ أنها موجودة قبل نشأة ذلك الجسم : هي التي تصنعه ، وقد جبلته وخلعت عليه هيئته وشكله . / وإن كان ذلك كذلك ، فليست هي التي تبادر إلى الشهوة . بل إن ذلك الجسم الحيواني هو الذي ينفعل بما يرد عليه ، وهو الذي يتألّم ، « ما دام يرغب في ما يناقض الحال الذي يكون عليها في حاضره » ، مبدّلا اللذة من المشقة ، والكفاية من الحاجة . أما الطبيعة فهي كالأم ، وكأنها تحرز مراد الجسم المنفعل ، فتحاول أن ترشده / وتسوقه إليها . هي تسعى باحثة عن دواء لدائه إذا ، فيجعلها بحثها تتصل بشهوة ذلك المنفعل ، فتتجاوزه هذه الشهوة وتنتهي في الطبيعة ذاتها . فإنّ الشهوة إنما تنبعث من الجسم ، سواء أنظرنا إليها في سوابقها أم حصرناها في دوافعها الغريزية الكامنة فيها . أما الطبيعة ، فشهوتها تنبعث من غيرها وتأتي بوساطة غيرها ، / ثمّ إن النفس التي تكفل للشهوة مشتهاها أو تمنعها عنه ، إنما هي شيء آخر أيضا .
تاسوعات أفلوطين — صفحة 350
مساهمون: أفلوطين
ص٣٥٠