مركزها ، نكاد لا نحسّ ببعدها عن مركزها ، وهو بعد بدون امتداد . ذلك لأن أوضاع الأمور إنما تكون على نحو ما يلي : إذا جعلنا الخير المحض بمنزلة المركز جعلنا الروح بمنزلة دائرة لا تتحرّك ، والنفس بمنزلة دائرة تتحرّك ، وإنما يحرّكها الشوق . / فإن الروح لا يلبث أن يدرك الخير ويحيط به ؛ أما النفس فإنها ترغب في ما هو وراء الحق . ثم إن كرة العالم الكلي ، ما دامت مشتملة على النفس المدفوعة بذلك الشوق ، فإنها تتحرّك بدافع ما كانت مفطورة على أن تشتاق إليه وترغب فيه . ولكن فطرتها هي الفطرة التي بموجبها يرغب الجسد في ما يكون خارجا عنه . وهذا يعني أنه يمتد حول ما يرغب فيه ثم يحيط به راجعا إلى ذاته ، / أي أنه يتحرّك بحركة الدائرة .
17 ولكن لما ذا لا تكون عمليات العرفان والمعاني في نفوسنا من هذا النوع الذي شرحنا ، بل نجد لدينا هنا التوالي في الزمان والبحث القائم على التفكير والترويّ ؟ ألأنّ زمان الأمور موزّع بين قوى كثيرة تتحرّك كلها ثم لا يتمّ السؤدد لواحدة من بينها ؟ كلا ، بل لأنّ القوة السائدة تختلف باختلاف الحاجة واللحظة الحاضرة ، فلا تحدّد القوة بذاتها / بل بشيء آخر دائما ، وهو غريب عليها . ومن ثم كون مرادنا في تغيّر متواصل ، يتكيّف بتكيّف المناسبات ، ويحضر عندما تحضر الحاجة . فيعرض العارض من الخارج ثم يعرض بعده عارض آخر . ذلك لأنه ، ما دامت القوى السائدة كثيرة ، نشأت الخيالات الكثيرة لا محالة : فتنتقل من قوة إلى قوة ، وكلها غريبة مكتسبة ، دائما مستجدّة تقيّد كل فرد جزئي في حركاته / وأعماله . فعند ما تتحرّك القوة الشهوانية ، تقبل صورة الشيء المشتهى الخيالية وكأنها إحساس يؤذن بالانفعال وينبئ عنه .
فيفرض علينا هذا الإحساس أن نتبعه وأن نحصل على الشيء المشتهى . أما نحن فنتحيّر ونتردّد سواء أأخذنا نتبعه لنكفل لنا ما نشتهي أم قابلناه بالمقاومة . ثم إن الغضب الذي / يدعو إلى الدفاع عن الذات يولّد الحال عينه إذا حرّك ، في حين أن حاجات الجسم والانفعالات تولّد فينا الأحوال والأحكام المختلفة . وهكذا القول عن جهل ما فيه خيرنا وعن تحيّر النفس في ما تقول بعد أن يكون قد دبّ فيها التنازع من كل صوب وجانب . وناهيك بما سوى كل ذلك إذا تضافرت هذه العوامل كلها أو امتزج بعضها ببعض . ولكن هل يتردّد الأصل الأرفع فينا في أحكامه ؟
كلا ، بل التردّد والتقلّب في الآراء / إنما هما من لوازم المركّب . فمن الأصل الأرفع فينا يرد إلى المركّب العقل بصوابه ، وهو آنذاك ضعيف يكون بين ذلك الخليط كله ، بطبعه في حدّ ذاته .
ومثله مثل المرشد الفاضل في جمع كثير صاحب يقول ولا يطاع بل يطاع سفلة الصاخبين وأصحاب الجلبة . فيجلس هو صامتا لا حول له ولا / قوة ، وقد غلبه صياح السفلة . وبعد ، فإن كان المرء أشد الناس رداءة وجدناه على حالة العاميّ وعلى حالة الإنسان الناتج عن كل ما
تاسوعات أفلوطين — صفحة 347
مساهمون: أفلوطين
ص٣٤٧