الحكمة . فإذا أدرجنا مدبّر الكل في زمرة طلاب العلم ، وجب علينا أن نعترف له بالتفكّر والتحيّر والتذكّر الذي نعترف به لمن يجمع بين / ماضي وحاضر ومستقبل . أما إذا جعلناه في مقام العارف ، وجب علينا أن نعتقده حكيما ثابتا في طمأنينة أدركت حدّها . ثم أنه إن كان يعرف المستقبلات ( وليس من المعقول أن ننفي هذا العلم عليه ) ، فلما ذا لا يكون عارفا كيف يتم حدوثها بعد ذلك ؟ وإذا كان يعرف كيف تتمّ ، فما هي حاجته بعدئذ للتفكير / وللجمع بين الماضيات والحاضرات ؟ هذا وإنّ معرفته للمستقبلات ، إذا ما سلّم له بها ، لا تأتيه مثلما تأتي المنجّمين معرفتهم . بل إنها من نوع معرفة من يصنع وهو على يقين مما سيكون من صنعه . وهذا يعني أن معرفته إنما هي بالذات معرفة أسياد الأمور كافة ، هؤلاء الذين لا يخامرهم قطّ / تردّد أو ارتياب . إنّ من كان ذا رأي ثابت ، بقي ثابتا على رأيه دائما . ومعرفة المدبّر الكلي للمستقبل من نوع معرفته لحاضره ، وهي معرفة ثابتة دائما لا يعتريها قطّ تغيير :
فلا دخل فيها للتفكّر . بل نقول : إنه لو لم يكن يعرف المستقبلات التي يصنعها ، لما كان يصنعها عارفا / أو متقيدا بمثال ينظر اليه . فيأتي صنعه عن طريق العرض آنذاك ، أعني أنه يكون وليد البخت والاتفاق . إن ما يتقيّد به في صنعه إنما هو أمر ثابت على حاله دائما إذا . وإن كان ذلك كذلك ، فإنه لا يصنع إلّا بحيث يكون صنعه شبيها بالأصل الذي ينطوي عليه في جنباته . هو يتقيّد بوجه واحد في صنعه إذا ، وكذلك دائما ؛ فلا يصنع الآن متقيدا بوجه ، ثم يصنع بعد ذلك متقيدا بوجه آخر . وإلّا فما الذي يجنّبه أن يخطئ في صنعه ؟ / وإذا كان الصنع ينطوي على أمور مختلفة ، فإن أصل هذا الاختلاف ليس منه هو ذاته ، بل من كونه خاضعا للبنى المعنوية ؛ وهذه البنى إنما هي من الصانع ، حتى يكون الصنع دائما تحت حكم البنى المعنوية المتتابعة . ومن ثمّ فإنه ليس قطّ من الضروري أن يتيه الصانع أو يتردّد أو يرتبك ، كما ظنّ بعضهم / وذهبوا إلى أن تدبير الأشياء كافة إنما هو أمر شاق . فالارتباك ، فيما يبدو ، إنما يقع لمن يكون في عمل غريب عليه ، وهو حال من ليس سيدا في عمله . أمّا من كان السيد والأوحد في أعماله ، فإلى ما ذا يحتاج إلّا إليه ذاته وإلى إرادته ؟ وهذا يعني بالذات أنه لا يحتاج إلّا حكمته ، لأن الإرادة عند صانع من هذا / الطراز إنما هي الحكمة . فهو لعمري ، لا يحتاج إلى شيء في صنعه ، ما دامت الحكمة ليست شيئا غريبا عليه ، بل ما دام هو ذاته لا يلجأ ليصنع إلى شيء مكتسب ، فلا يلجأ إلى التفكّر أو إلى التذكّر وكلاهما من المكتسبات .
13 ولكن بما ذا تتميّز هذه الحكمة التي وصفناها عمّا نسميه الطبيعة ؟ يكون تميّزها بأن الحكمة تأتي أولا ، أما الطبيعة ففي المقام الآخر . ذلك لأن الطبيعة هي للحكمة أثرها وللنفس حدّها الأقصى ، وهي تنطوي على البنية المعنوية في إشعاعها الأبعد . مثل ذلك مثل
تاسوعات أفلوطين — صفحة 344
مساهمون: أفلوطين
ص٣٤٤