تتناول الحيوان من الخارج من أجزائه . وقد تتناوله من الباطن ، من أصله . فالطبيب مثلا يأخذ مرضاه من ظواهرهم ويعالجهم بأجزائهم ، فكثيرا ما تشكل عليه أمورهم فيتردّد ويتروّى . أما الطبيعة فإنها تنطلق من الصميم ولا تحتاج إلى تروّ . ويجب / في تدبير الكل وفي المدبّر الّا يتقيّد بسلوك الطبيب ، بل بسلوك الطبيعة . ولا سيما أن الأمور في الملأ الأعلى أشدّ بساطة ، بقدر ما أن الأحياء كلها هنالك بمنزلة حيوان واحد ينطوي على كل أجزائه . فإن الطبائع كلها خاضعة لطبيعة واحدة : تتبع هذه الطبيعة ، متعلّقة فيها ، مرتبطة بها وكأنها نابتة منها ، / مثلما أن الطبيعة في الأغصان تابعة لطبيعة الشجرة كلها . فأين التفكير والحسبان والتذكّر حيث نجد حكمة أبدا حاضرة ، تعمل أعمالها وتفرض سيادتها وتتقيّد بنمط واحد في تدبيرها ؟ وإن كانت المحدثات متنوعة مختلفة ، فلا يستلزم ذلك منا أن نعتقد في صانعها أنه يتبعها في تحولاتها . /
بل مهما كثر تنوّع المحدثات ازداد صانعها بقاء على حاله . ذلك لأنه ، حتى في الحيوان الواحد الجزئي ، تنشأ المحدثات عديدة ، ثم لا تظهر كلها في آن واحد . فإن أطوار العمر ، ثم ظهور كل جزء من أجزاء الحيوان في حينه ، مثل ظهور القرون واللحية ، ونهود الثدي ، ثم الاكتهال ، ثم ولادة الأولاد وهم غير آبائهم : / ليس كل ذلك بأن تهلك البنى المعنوية المتقدّمة ، بل أن تنشأ إلى جانبها بنى معنوية جديدة . ولا غرو ، فالأمر راجع إلى أن البنية المعنوية تعود وتحضر هي ذاتها كلّا في الحيوان الجديد الذي نشأ . وبعد ، فإنّه يحق لنا أن نسلّم لنفس الكل بالحكمة الواحدة الباقية دائما على ذاتها ، وهي كأنها حكمة العالم كله الثابتة . إنها كثيرة الوجوه ، كثيرة التنوّع ، وهي حكمة الحيوان الواحد الأعظم البسيطة أيضا . / فلا يعتريها التغيّر بكونها ذات كثرة ، بل إنها تبقي البنية المعنوية الواحدة والبنية المعنوية الكلية في آن واحد . ذلك لأنها لو لم تكن البنية المعنوية الكلية ، لما كانت حكمة الكل ، بل حكمة ما يليه ويتفرّع منه .
12 ولكن ربّ قائل يقول : إن عملا مثل هذا ، إنما هو عمل الطبيعة . أما الحكمة ، فإنها ما دامت كامنة في العالم الكلي ، كان التفكير والتذكّر من خصائصها لا محالة . فنجيب : إن هذا القول قول رجال يخلطون بين ما هي الحكمة وبين ما ليس من الحكمة في شيء ، ويتصوّرون طلب الحكمة على أنه الحكمة بالذات . / فما عسى أن يكون التفكير سوى الرغبة في اكتشاف الحكمة وفي الدليل الصحيح الذي به ندرك روح الحق ؟ إن المفكّر مثل الذي ينقر على القيثارة ليصبح بارعا في فنّها ، ومثل الذي يروّض ذاته ليكتسب ملكة ما فيه ، وبوجه عام مثل من يتعلّم ليصبح عالما . ذلك لأنّ الذي يفكر إنما يطلب معرفة ما إذا حصل المرء على معرفته أصبح المرء حكيما ؛ ومن ثم كانت الحكمة متوافرة لمن سكن وكفّ / عن التفكير . ويشهد لذلك حال المفكّر ذاته : إن اكتشف ما يجب اكتشافه بطل مفكرا ؛ وأنه ليمسك عن التفكير لأنه وصل إلى
تاسوعات أفلوطين — صفحة 343
مساهمون: أفلوطين
ص٣٤٣