تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاسوعات أفلوطين — صفحة 340

مساهمون:

ص٣٤٠
وعلى حال آخر . ومن ثم فإن للكواكب تذكّرا . 8 إلّا أنّه ليس من الضروري لمن يشاهد أن يذكر كل ما قد رأى ، أو ان يستودع خياله كل ما جاءه من قبل اللواحق العرضية . ثم إن بين الأمور ما يدرك بالعرفان أو بالعلم إدراكا لا يستهان بشدّة ظهوره . فإذا بدا وأحسسنا به عينا ، لم يكن من الضروري أن نحوّل انتباهنا عن علمنا به عقلا ، وهو حاضر ، إلى المحسوس / الجزئي ( إلّا إذا كنا في شيء عملي ندبّره ) ما دام العلم بالجزء داخلا في العلم بالكل . وها أنا ذا أتناول هذه الأصول أصلا أصلا على الوجه الذي يلي . فأولها ليس من الضروري أن يحفظ الانسان كل ما يراه بأم عينه . ذلك لأنه قد يبدو لنا ما لا نجد فيه فرقا بين غيابه أو حضوره ، أو ما لا شأن لنا فيه إجمالا . فإن الحس ينفعل آنذاك بمجرد / ما في المرئي من اختلاف ، ولا ينفعل بالمرئي إلّا الحس فقط . وذلك لأن النفس لا تنشرح للمرئي في باطنها لأنها لا تراه ذا شأن يلبي حاجتها أو تنتفع به بوجه من الوجوه . ثم إذا تحوّلت فاعليتها إلى أمور أخرى حتى انصبت على هذه الأمور انصبابا تاما ، لم تحفظ ذكرا لشيء من هذه الأشياء التي مضت . / ولا غرو ما دمنا لم ندرك احساسنا بها إذ كانت حاضرة بين يدينا ونحن نحسّ بها . أما الأصل الثاني فهو أنه ليس من الضروري أن يستودع الخيال كل ما كان من قبيل القرائن العرضية ، ولئن اتفق الأمر ، فما من شأن الخيال أن يحرص عليه ولا أن يضبطه . بل إن انطباع شيء من هذا النوع في الخيال لا يولّد قطّ شعورا . وبوسعك أن تفهم ما أعنيه إذا أدركت / ما أقوله في ما يلي . أقول إذا : إن لم نكن لنقصد قطّ يوما أن ينفرج لنا هذا الجزء ثمّ ذاك من أجزاء الهواء عندما نمضي من مكان إلى مكان ، أو فيما لو كنا نجتاز مكانا واحدا معينا ، فإنّا لا نحفظ هذا الانفراج ، بل إنه لا يخطر عنه لنا بال في أثناء سيرنا . وكذلك القول في الطريق : إن لم نكن نقصد أن نقطع جزءا معينا منها ، وكان سفرنا في الهواء ، لم يكن لنا / همّ في أيّ فرسخ من فراسخ الأرض صرنا ، ولا كم فرسخا سرنا . ثم إنّا لو احتجنا إلى التحرك ثم لم نقم للزمان حسبانا ، بل أردنا التحرك فقط ، ولم نضف إلى الزمان عملا من أعمالنا ، لما ذكرنا لأعمالنا زمانا دون غيره . / هذا ولا يخفى على أحد أن الفكر إذا أحاط بعمل واطمأنّ إلى الوجه الذي منه يعالج عمله ، فلا تستأنس منه العودة إلى هذا العمل في فصوله وجزئياته . كما أنه عندما يفعل الفاعل فعلا باقيا واحدا على ذاته دائما ، فمن العبث أن يحفظ الفاعل دقائق فعله تفصيلا . وبعد ، فإذا سارت الكواكب في حركتها ، فإنما تتحرك لتقوم بأعمالها الخاصة ، / لا لكي تقطع الأبعاد التي تجتازها . وليس غرضها مشاهدة الأشياء التي تمرّ بها ، كما أنه ليس هذا المرور بذاته أيضا ، وهو مرور بالعرض غير متعمّد في ذاته . بل إن بال الكواكب في أمور أخرى أرفع شرفا ، وإنما يكون ما تجتازه شيئا باقيا هو هو دائما على حاله . ثم إن الزمان ، في الأبعاد
تاسوعات أفلوطين — صفحة 340 | أفلوطين