غافلين ، فإنّا نكاد نصبح حينذاك ما يكون الشيء الذي لدينا عليه . وهذا الانفعال المغفّل هو الذي يؤثّر بخاصة في هبوط النفس . ولكنها إذا رحلت عن المقام الأعلى حملت الذكريات معها في جنباتها من وجه ما . فإن لها هنالك أيضا القوة / على التذكّر إذا . لكن الأمور الروحانية تفعل أفاعيلها آنئذ فتحجب الذكرى . ذلك لأن الذكريات لم تكن حينذاك بمنزلة انطباعات كامنة في النفس ، وهو قول يؤدي بنا إلى نتائج ربما لا تستسيغها العقول ؛ إنما كانت قوة خلّي بينها وبين أن تتحقق بعد ذلك . فلما كفّت الأمور الروحانية عن أفاعيلها ، عادت النفس تشاهد ما كانت قد شاهدته قبل أن تصبح في عالم الروح . /
5 ما ذا إذا ؟ أتكون تلك المقدرة على التذكّر هي التي تسوق الروحانيات إلى أن تكون حقا وفعلا ؟ ألا ، إن لم نكن لنشاهد الروحانيات في حدّ ذاتها ، شاهدناها بالتذكّر ، أما إذا أدركتها مشاهدتنا في حدّ ذاتها ، فإنّا نشاهدها بالقوة التي تمّت لنا المشاهدة بها في عالم الروح . ذلك لأن هذه القوة تنهض لأمرها إذا حضر ما ينهضها ، وهذا يعني أنها تشاهد ما نحن الآن في ذكره .
فهو أمر يجب الّا نلجأ لاكتشافه إلى التظنّي / أو إلى القياس الذي يتلقّى أصوله من غيره . بل إنه يسعنا ، كما قلنا ، أن نتناول الروحانيات ، حتى في حياتنا الدنيوية ، بالملكة ذاتها التي تقوى على مشاهدة الأمور في الملأ الأعلى . فإنها هي التي يجب فيها أن تشاهد الحق عندما نوقظها فينا ، إذا جاز لنا القول . وإنما يتم ايقاظها بحضور الحقائق . ونكون نحن آنئذ بمنزلة رجل علا مرقبا وأخذ يسرّح / نظره فيشاهد ما لا يشاهده غيره ممن لم يصعدوا هنالك معه . فنتيجة هذا القول هي أن التذكّر إنما يبدأ من السماء ، بعد أن تكون النفس قد غادرت عالم الروح . فإذا رحلت عن هذا العالم وأصبحت ثابتة فيها ، فليس بعجب إن اخذت تذكر الشيء الكثير من أمور هذا العالم السفلي التي هي من نوع ما وصفناه . / بل إنها تميّز نفوسا كثيرات كانت قد عرفتهنّ في زمانهنّ الماضي ، ولا سيما أنهنّ لا يزلن حتما في أجسام تشبه بأشكالها أجسامهنّ السابقة . ولكن لو افترضنا أنهنّ بدلن أشكالهنّ واتخذن لهنّ أشكالا كروية ، فهل يعرفن بعضهنّ بعضا من أخلاقهنّ ونمط سيرتهنّ الخاص ؟ ليس ذلك بالأمر المحال ؛ فانهنّ إن خلعن عنهنّ / انفعالاتهنّ ، لا يمنع هذا أخلاقهنّ عن أن تبقى هي هي ، فيما كانت عليه . وإن كنّ يستطعن النطق ، ففي ذلك ضمان لتعارفهنّ أيضا . ولكن إذا انحدرن من عالم الروح إلى السماء ، فكيف يكون تذكرهنّ ؟ ألا ، إنهنّ يحركن الذكرى فيهنّ بالأمور ذاتها ، ولكن جانب الذكرى لديهنّ أضعف من لدى اللواتي كنّ في السماء . فانهنّ مقبلات على تذكّر أمور أخرى ، فضلا على أن زمانهنّ أطول من زمان أخواتهنّ ، فيجعل هذا الزمان الكثير مما لديهنّ مغمورا / غمرا تاما في غياهب النسيان . ولكن إذا انقلبن نحو العالم الحسي وهبطن إلى الصيرورة في دنيانا ، فما عسى
تاسوعات أفلوطين — صفحة 338
مساهمون: أفلوطين
ص٣٣٨