أن يكون نوع الزمان الذي يتمّ فيه تذكرهنّ ؟ ألا ، إنّه ليس من الضروري أن يهبطن هبوطا تاما إلى أسفل سافلين . فانهنّ إذا تحركن بوسعهنّ أن يتقدمن إلى حدّ يقفن عنده . وليس من شيء يمنعهنّ من أن يعدن ويخرجن مما هنّ فيه قبل أن ينتهين إلى أقاصي الكون والصيرورة . /
6 قد يصير لقائل مساغ أن يقول عن النفوس اللواتي يتحوّلن ويتغيّرن أنهنّ يتذكّرن إذا ، ما دام الذكر هو ذكر ما مضى وفات ؛ ولكن النفوس اللواتي تمّ لهنّ أن يبقين على حال واحد ، فما عسى أن يذكرن ؟ وهي مسألة تتناول الذكريات في نفوس الكواكب كافة ، ولا سيما نفس الشمس / والقمر . وإنها لتتسع فتشمل الذكرى في نفس الكل أيضا ، بل إن فيها دعوى التنقيب عن الذكر عند المشتري . هذا وانه يجدر بالباحث في هذه الأمور أن ينظر في أفكار الكواكب واستدلالاتها ما هي ، اللهمّ إن كانت ، موجودة متوافرة . وإن لم تكن الكواكب تبحث / عن شيء أو تتردّد في شيء ( فإنها لا تحتاج إلى شيء ، ولا تكتسب علم شيء لم يكن لها به علم في ما مضى ) فأنّى لها الأدلة والمقاييس والتفكير ؟ بل إنها لا تحتاج إلى تروّ أو تدبّر في ما يتعلق بالآدميين ، إليهما تلجأ لتسيير أمورنا أو أمور الدنيا بوجه عام . / فإن النظام الذي تنشره على العالم الكلي ، إنما هو من نوع آخر .
7 ما ذا إذا ؟ أليست تذكر أنها شاهدت الإله ؟ بل إنها لتشاهده دائما . وما دامت تفعل ، فلا يسعها قطّ أن تقول إنها شاهدته ؛ إنما هذا هو حال من يكون قد كفّ عن النظر . ثم ما ذا ؟ أو لا تذكر أنها دارت حول الأرض بالأمس وفي العام الماضي ؟ أو أنها كانت بالأمس حيّة ، وقبل الأمس بزمان أيضا ، بل منذ أول حياتها ؟ ألا ، وإنها دائما حيّة ؛ / والدوام إنما هو الوجود على حالة واحدة . فالقول في حركة الكواكب أن لها أمسا غابرا وعاما ماضيا ، إنّما هو مثل قول من إذا رأى خطوة القدمين وهي شيء واحد ، حاول أن يجزّئها إلى أجزاء كثيرة ، جزءا بعد جزء ، وأن يجعل الحركة الواحدة مجموعة حركات عديدة . كذلك القول في حركة الكواكب . إنما هي واحدة أيضا ، ولكنّا نقسمها نحن ، فتصبح نهرا كثيرة يختلف بعضها عن بعضها الآخر لأن / الليالي تفصل بينها . أما هنالك ، فما دام النهار هو هو ، واحدا أبدا ، كيف تكون النهر الكثيرة ؟
ومن ثم فلا مجال لما هو عام مضى أيضا . ولكن ربّ قائل يقول : إنّ البعد في السماء لا يكون دائما هو هو بعينه ، بل إن هنالك أبعادا مختلفة ؛ ثم إنّ فلك البروج في تغيّر متواصل ، فهو مع كوكب غيره مع الآخر . فلما ذا لا يقول الكوكب إذا : « لقد اجتزت هذا البرج ، وها أنا ذا في غيره » ؟ هذا وإن كانت الكواكب تشرف على أمور الآدميين ، فكيف لا تلاحظ تقلباتهم ، / ولا ترى أنهم الآن غيرهم بالأمس ؟ فإذا كان ذلك كذلك ، فلأنه كان قبل آدمي اليوم آدميون آخرون
تاسوعات أفلوطين — صفحة 339
مساهمون: أفلوطين
ص٣٣٩