تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاسوعات أفلوطين — صفحة 336

مساهمون:

ص٣٣٦
فيما عمدت النفس إلى الشيء الواحد فقسمته وشرحته ؟ ألا ، / إن التقسيم إنّما كان في الروح ؛ وإنه لأحرى به ، ما دام من هذا النوع ، أن يقال عنه إنه بمنزلة تقسيم وضعت معالمه . أما وضع التقدّم والتأخّر في المثل والمعاني ، فإنما هو بغير زمان ، كما أن العرفان بالتقدّم والتأخّر لا يتقيّد بالزمان . بل إن هذا الوضع قوامه ترتيب محكم ، مثلما يكون الأمر في الشجرة : يشملها ترتيبها من أصلها إلى فروعها عندما نراها ؛ / وليس وضع المتقدّم والمتأخّر فيها إلّا وضع ترتيبها عندما نراها دفعة واحدة . ولكن إذا نظرت النفس إلى الشيء الواحد ، وكان هذا الشيء ينطوي على أمور كثيرة بل على الأمور كلها ، كيف تدرك الطرف الأول ، ثم تدرك ما بعده ؟ ألا ، إنّما قوة النفس الواحدة واحدة بمعنى أنها تتكاثر في غيرها ، فلا تدرك الأشياء كلها عن طريق وجه واحد من العرفان . فإن أفاعيلها لا تتم فعلا فعلا ، بل تكون دائما كلها معا قائمة بقوة ثابتة في ذاتها ؛ / إنما تتكاثر وتتفرّق في الأشياء المختلفة . ذلك لأن الأمر الروحاني ليس بحيث يكون واحدا في ذاته ، فقد يتسع للأمور الكثيرة التي لا تكون كثيرة في ما هو قبله . 2 هذا وحسبنا ما ذكرنا من هذه الناحية . ولكن ، كيف يتذكّر الأمر الروحاني ذاته ؟ ألا ، إنه ليس له تذكّر بذاته ، أو بأنه هو سقراط مثلا ، الذي يشاهد ، أو بأنه روح أو نفس . ولنذكر هنا تلك الحالات التي نصبح عليها ، حتى في هذه الدنيا حيث نشاهد وتكون مشاهدتنا على أشدها قوة ووضوحا . فلا يعود المشاهد إلى ذاته في عرفانه آنذاك . / أجل ، إنه قابض على ذاته ، لكن فعله موجّه إلى ما يشاهده . فيصبح آنذاك هو الأشياء التي يشاهدها عينا وكأنه يتقدّم إليها بذاته على أنه لها هيولى ويستحيل مثالا متناسقا مع ما يراه ، ويكون ، هو بذاته ، بالقوة ما تكون عليه الأشياء التي تراها . وبعد ، أو يكون العارف قائما في ذاته بالفعل عندما لا يعرف شيئا إذا ؟ لا شك ، فيما لو كان العارف ذاته فارغا خاليا من كل شيء عندما لا يعرف شيئا . / أما إذا كان العارف هو ذاته الأشياء كلها ، فإنه عندما يعرف ذاته إنّما يعرف الأشياء كلها معا . ومن ثمّ فإن الذي يشاهد ذاته كذلك بالفعل ويدرك ذاته مسّا ، يحيط بالأشياء كلها ؛ كما أن عرفانه للأشياء كلها محيط به هو ذاته أيضا . لكنه إذا فعل كذلك تحوّل من عرفان إلى عرفان ، وهو أمر حكمنا بخلافه قبل ذلك . أفيجب / القول عن الروح إنه يبقى هو هو على ما هو في ذاته ؟ أما النفس فنقول عنها إنها ، ما دامت في أفق العالم الروحاني ، يجوز فيها التغيّر ، إذ إنه يجوز فيها أن تزداد توغلا في هذا العالم أيضا ؟ ذلك لأنه إن كان شيء حول المركز الثابت ، وجب في هذا الشيء الّا يبقى كذلك ثابتا ، بل أن يتحرك بالنسبة إلى المركز الثابت . ألا وإنه يجب القول بأنه ليس في الأمر قطّ تغيير ، / فيما لو تحرّك العارف مما ينطوي عليه في ذاته إلى ما هو عليه في ذاته ، أو فيما لو تحرّك مما هو عليه في ذاته إلى الأشياء الأخرى . فإنه هو هو الأشياء كلها والطرفان شيء