بعد خروجها من بدن آخر ، ذكرت أمورا خارجة عن الحياة التي أصبحت فيها ، وذكرت ما مضى وغادرته على أنه حاضر بين يديها ؛ وذكرت الكثير من أدوار حياتها السالفة أيضا . ولكنها مع الزمان ، تنسى الكثير ممّا كان يرد عليها عن طريق الاكتساب . أمّا إذا أصبحت وحدها على حالها حقّا ، فما عسى أن يكون ما تذكره ؟ ألا ، لا بدّ أولا من أن نتبيّن في النفس ذاتها القوة التي يتمّ بها التذكّر . /
28 يمكن أن يقال في التذكّر أنه يتمّ على الأقل بالقوة التي بها نحسّ أو بتلك التي بها نعرف ؟ أو نقول في تذكّر ما اشتهيناه أن مدركه ما به نشتهي ، وفي تذكّر ما أغضبنا أن مدركه القوة الغضبية فينا ؟ فربّ معترض اعترض على أن يكون المتلذّذ شيئا والمتذكّر شيئا آخر . فأقل ما يقال في القوة الشهوانية هو أنها إذا لذّها شيء عادت وتحرّكت لدى حضور مشتهاها ، أعني الحضور الذي يتمّ / بوساطة الذاكرة . وما دام ذلك كذلك ، فلما ذا لا يصدق هذا القول على شيء آخر وحالة أخرى ؟ ما ذا يمنعنا عن أن نحمل في القوة الشهوانية الإحساس بما يكون على شاكلتها ، وفي قوة الإحساس الشهوة ، وهكذا في كل مرة ما يكون على شاكلة القوى الأخرى كلها ؛ ثم تسمّى كل قوة بتسمية المترجّح فيها ؟ أو أننا نجعل الإحساس في كل قوة على أن يكون معها غيره مع غيرها ؟ فالبصر مثلا هو الذي يرى ، ولا ترى الشهوة . / لكن الشهوة تتحرّك بدافع من الإحساس بالبصر . فكأنها تسلك قليلا قليلا حتى تنتهي ، لا إلى أن تتبيّن الإحساس من أي نوع يكون ، بل إلى أن تنفعل به عن غير تعقّب لذاتها . وكذلك الأمر في حال الغضب أيضا .
ترى القوة الحسية متعدّيا يعدو على غيره ، فينهض الغضب من فوره . مثل ذلك مثل ما يجري فيما لو رأى راع ذئبا مقبلا على قطيعه ، فتستثير الرائحة والأصوات كلبه فيندفع على الذئب ولمّا يره بأمّ عينه . / أجل ، إنّ الشهوة تلتذّ بما تصيب ، ويبقى لديها أثر تنطوي عليه ممّا حصل فيها ، ولكنه ليس أثرا بمعنى أنه ذكرى ، بل بمعنى أنه حال وانفعال . فالذي أدرك اللذّة إنما هو شيء آخر ، وهو الذي له من ذاكرته ذكرى ما حدث وفات . والدليل على ذلك هو أنه كثيرا ما يحدث للذاكرة أن تجهل ما أصابته الشهوة . / مع أنه لو كانت فيها لما فاتها ذلك .
29 أنعود إلى قوة الإحساس ونجعل الذاكرة فيها إذا ، فتكون فينا قوة التذكّر وقوة الإحساس ملكة واحدة ؟ ولكن إذا كان شبح هرقليس يتذكّر وهو في مقام الأموات ، كما ورد سابقا ، أصبح لدينا قوّتان للإحساس . بل إنّنا على كل حال ، أمام أصلين يرد التذكّر عليهما ، حتى ولو لم تكن قوة التذكّر هي قوة الإحساس ، بل شيئا آخر مهما كان . / فضلا على أنه لو كانت قوة التذكّر هي قوة الإحساس ، لأصبحت قوة الإحساس هي التي ندرك بها تذكّرنا
تاسوعات أفلوطين — صفحة 331
مساهمون: أفلوطين
ص٣٣١