بالانفعال في بداية أمره ، وتأثّرت نفسه الشريفة بهذا الانفعال أفضله على قدر / ما بينها وبين النفس الأخرى من الاتصال . ولكن كيف يليق بهذه النفس السفلى أن ترغب في ما تحقّق من الذكرى لدى النفس العليا ، ولا سيما إذا كانت شريفة هي أيضا . فإن النفس قد تكون فاضلة منذ بداية أمرها ، وقد تصبح كذلك أيضا بأن تؤديها النفس التي هي خير منها . إلّا أنه ينبغي لهذه النفس الأخيرة أن تحاول عن رضى نسيان ما يأتيها من التي دونها . / ذلك لأنّه لا يجوز في النفس السفلى ، ولو كانت النفس العليا فاضلة ، أن تكون ريئة وأن تحبسها النفس العليا في الأسافل قهرا . وبعد ، فبقدر ما تسعى هذه النفس الفاضلة إلى الملأ الأعلى ، يزداد نسيانها شمولا ، إلّا إذا كانت حياتها كلها ، حتى في هذه الدنيا ، بحيث لا تكون ذكرياتها إلّا ذكريات فضل وخير . / فإنه ، حتى في هذه الدنيا ، نعم العمل خلع الهموم التي تلازم الآدميين ، وبالتالي خلع الذكريات التي تنطوي على تلك الهموم حتما . وما أصوبه قولا في النفس الناسية أنها هي الفاضلة ، إذا كان نسيانها على هذا الوجه استقام . فإن المرء آنذاك ينجو من الكثرة ، ويضبط الكثيرات بالوحدة ، فيخلع عنه ما كان مبهما غامضا . / وما عادت النفس مع الكثرة بعد ذلك ، بل ها هي ذي رشيقة خفيفة ، وحدها مع ذاتها . وإذا أرادت ، حتى في هذه الدنيا ، أن ترتقي إلى عالم الروح ، خلعت عنها سائر الأمور كلها ، ولو كانت لا تزال مقيمة في هذا العالم . فقلّ ما تحتفظ به من حياتها هذه إذا أصبحت في حياتها الروحانية ، ناهيك بما تخلعه عنها إذا أصبحت في السماء . إنه ، لعمري ، يجوز لهرقليس المقيم في منازل الأموات أن يتباهى بمآثره بطلا .
لكن الذي يستصغر هذه الأمور ، / عندما ينتقل إلى جناب القدس ويصبح في العالم الروحاني ، يفوق هرقليس بلاء في الجهاد الذي دخل فيه الحكماء .
تاسوعات أفلوطين — صفحة 334
مساهمون: أفلوطين
ص٣٣٤