في الباطن ما يزال كأنه لم يسع قطّ إلى الخارج . فإذا بسطه النطق وساق منه مدلوله إلى قوة الخيال ، كشف عنه وكأنه في مرآة . / وبذلك يكون إدراكه بقوة الخيال ، ويحل فيها شيئا ثابتا في وحدته وتكون الذاكرة . ولأجل ذلك أيضا ، ما دامت النفس في تحرّك مستمر نحو العرفان ، فإن الإدراك يتمّ لنا عندما تولّد في الخيال أثرا منها . فالعرفان شيء وإدراك العرفان شيء آخر .
ثم إننا نحن في عرفان متواصل دائم ، ولكنّا لا ندرك ذلك دائما ، لأن ما يتلقّى عندنا العرفان ، / لا يتلقّى العرفان فقط بل الإحساس أيضا ، وبالتناوب .
31 إن الذاكرة إنما هي ذاكرة قوة التخيّل إذا . وقد ورد في النفسين أنهما تتذكّران كلتاهما ، فإذا كان ذلك كذلك ، كان لكل نفس قوة تخيّل . فلنفترض أنّ الأمر كذلك هو ما دامتا منفصلتين . ولكن إذا كانتا فينا وكل منا شيء واحد في ذاته ، فما القول عن قوتي التخيل وبأية منهما يتمّ التذكّر ؟ إذا تمّ بهما كلتيهما ، قابلنا دائما صورتان خياليتان ؛ ذلك لأنه لا يجوز أن تنفرد قوة التخيّل / في إحدى النفسين بالأمور الروحانية ، وتلك التي في النفس الأخرى بالأمور الحسية . فإن الوضع إن كان كذلك إنما يؤدي إلى القول بحيوانين ليس بينهما شيء مشترك قطّ . وإذا تمّ التذكّر في النفسين معا إذا ، فبما ذا نميّز الصورة في النفس الأولى عنها في النفس الأخرى ؟ ثم كيف لا ندرك هذا الفرق . إنّا هنا أمام حالتين : الأولى منهما هي حالة الصورتين إذا تمّ التناسيق بينهما ، / ثم لا تكون القوّتان منفصلة إحداهما عن الأخرى .
فما دامت أشرف القوتين هي السائدة خرجت الصورة الخيالية واحدة ، وكأن إحدى الصورتين ترافق الأخرى ظلّا لها أو كأنها نور ضئيل يجري إلى جانب النور الأعظم . أما الحالة الثانية فهي حالة التنازع والتنافر بين الصورتين ، فتظهر إحداهما وحدها في ذاتها . ولكنّا نغفل عن كونها في النفس الأخرى لأنّا ، إجمالا ، غافلون عن اثنينية نفوسنا ، إذ أن كل نفس إنما هي واحدة على أن يكون ضمان وحدتها بإسهام نفسين تشرف إحداهما على الأخرى . / فنقول إذا : أن إحدى النفسين ترى كل شيء ؛ فإذا خرجت من البدن حملت معها بعض ما رأت ، أما بعضه الآخر الذي يخصّ النفس الأخرى ، فإنها تتخلّى عنه . مثل ذلك مثلما يتمّ لنا إذا كنا في صحبة رفاق أردياء ثم تحوّلنا يوما إلى غيرهم : فإنّا نذكر من أولئك الشيء القليل ، ولكنّا نذكر شيئا أكثر عن هؤلاء الذين كانوا نخبة الأصفياء أيضا . /
32 وما عسى أن يكون من أمر الأصحاب والأولاد والزوج ؟ وما ذا من الوطن ومن الأمور التي لا يمنع العقل من أن يتذكّرها الرجل الفاضل ؟ إلّا أن القوة الخيالية إذا تذكّرت أمرا من تلك الأمور تأثرت مع تذكّرها ، أما الرجل الفاضل ، فإنه يتذكّرها ثم لا ينفعل . أجل إنه أحسّ
تاسوعات أفلوطين — صفحة 333
مساهمون: أفلوطين
ص٣٣٣