بالعلوم ، وأصبحنا ندرك المعاني الفكرية بقوة الإحساس . أو أنه لا بدّ من قوة أخرى تختلف عن كلتا القوتين . فهل نقيم قوة الإدراك قدرة مشتركة وننسب إليها تذكّر ما لدى الطرفين ، الحسي والعقلي ؟ لو كان مدرك الحسيات والروحانيات مدركا واحدا ، / لكان في قولنا شيء من المعنى . لكن إذا جزّئ إلى جزءين فلا أقل من أن تكون ذاكرتنا ذاكرتين . ثم إذا وزّعناهما على النفسين كلتيهما أصبح عددهما أربعة . ثم إننا نقول بوجه الإجمال : لما ذا يجب في ما نحسّ به أن يكون هو الذي نتذكّر به ، فنضطر إلى أن نردّ الطرفين إلى قوة واحدة ؟ كما أنه لما ذا يجب في الملكة التي تفكّر بها ، أن تكون هي التي نتذكّر بها ما لدينا من المعاني الفكرية ؟ / وبعد ، فإنه ليس خير الناس تفكيرا هو هو خيرهم تذكرا . وإذا تساوت درجة الإحساس عند من يلجئون اليه ، فإنهم لا يتساوون في درجة التذكّر . فقد يدقّ الإحساس عند بعضهم ، والتذكّر عند غيرهم ممن لم يحظوا بإحساس جديد . وإن وجب ، من وجه آخر ، في القوّتين أن تكونا مختلفتين ، ووجب في إحداهما أن تتذكّر بما سبقتها إليه قوة الإحساس / وأحسّت به ، وجب في تلك القوة الأولى أن تكون قد أحسّت هي أيضا بما هي مقبلة على تذكّره بعد ذلك . فليس من شيء ليمنع من أن يكون المحسوس لمن يتذكّره صورة خيالية ، وأن تكون الذاكرة التي تحفظ الصور من خصائص القوّة الخيالية التي تختلف عن قوة الإحساس . ذلك لأن الخيال هو ما ينتهي الإحساس اليه ، فإذا زال الإحساس بقي المرئي حاضرا في الخيال . / وإذا بقيت صورة الشيء بعد غيابه في الخيال ، فها هو ذا الخيال يتذكّر ، ولو لم تكن الصورة لتلبث طويلا . فإن بقيت الصورة لدى الخيال وقتا قليلا ، كانت الذاكرة ضعيفة . وإذا طالت مدة الصورة ، كان صاحب الخيال قوي الذاكرة باشتداد قوة الخيال ، إذ أنه يصعب آنذاك في هذه القوة أن تتقلّب فتدع الذاكرة تختلّ وتنحلّ . / إن الذاكرة هي ذاكرة القوة الخيالية إذا ؛ وإن التذكّر هو تذكّر أمور على شاكل هذه القوة . أمّا الاختلافات التي تقع بين ذاكرة وذاكرة فإنّا نردها إلى الاختلافات في الملكات ، أو إلى حضور الانتباه وغيابه ، أو إلى الأمزجة البدنية إذا توافرت أو لم تتوافر . فهي التي تفسد الذاكرة وتعكّر صفاءها أو لا تحدث شيئا من ذلك . / ولكن هذا موضوع نرجئه إلى حينه .
30 وما عسى أن يكون ذلك الذي يتذكّر المعاني الفكرية ؟ هل تتذكّرها قوة الخيال أيضا ؟
نقول إن مع كل عرفان صورة خيالية ترافقه . وإذا كان كذلك ، وبقيت هذه الصورة وهي من المعنى الفكري بمنزلة الأثر له ، غدا هذا الحال والذاكرة التي تحفظ المعلومات العقلية . وإلّا وجب علينا أن نلتمس الذاكرة في شيء آخر . فربما / كان ما تتلقّاه قوة التخيّل إنما هو النطق الذي يرافق المعنى المعروف . إن المعنى المعروف شيء لا يتجزّأ ، وإنه ليبقى أمرا مغفلا ما دام
تاسوعات أفلوطين — صفحة 332
مساهمون: أفلوطين
ص٣٣٢