يحس أن يكون بمنزلة من يثقب أو من يحيك . ولذلك قيل عن الإحساس أنه عمل مشترك .
ويعني ذلك أنه ، إذا أحسّ الحيوان ، كانت النفس بمنزلة الصانع ، والبدن بمنزلة أداة الصانع .
أما البدن فينفعل / خاضعا ، وأما النفس فتنشرح لما كان انطباعا في البدن ، أو انطباعا بوساطة البدن ، أو حكما قامت به من وراء الانفعال الذي نزل بالبدن . فيقال عن الإحساس بكل ذلك أنه ، ما دام كذلك ، عمل مشترك بين النفس والبدن . / أما التذكّر بكل ذلك ، فيجب فيه الّا يوصف بأنه عمل مشترك إذ انشرحت النفس للانطباع وتلقّته : فإمّا أن تكون قد احتفظت به بعد ذلك ، أو أنها خلت بينه وبين أن يفلت منها . إلّا إذا كنّا نحاول أن نثبت على التذكّر كونه أمرا مشتركا بقولنا أن التذكّر أو النسيان عندنا أمران يعودان إلى أمزجة أبداننا . ولكن سواء أقيل عن البدن أنه يقوم أو لا يقوم حائلا بيننا وبين أن نتذكّر ، / فإن هذا القول لا ينال من كون التذكّر أمرا يعود إلى النفس . فما للمركّب لا يتذكّر العلوم ، بل ما للنفس لا تتذكّرها هي وحدها ؟ وإذا بدا الحيوان المركّب على أنه شيء خرج من مزيج شيئين وهو يختلف عنهما ، فليس من المعقول أولا أن يقال عن الحيوان أنه ليس بدنا ولا نفسا . فإنّ الحيوان نشأ مختلفا عن أصليه بدون أن يتغيّرا ، / كما أن تمازجهما لم يكن بمعنى أنّ النفس تصبح في الحيوان بالقوة . فضلا على أنه ولو كان ذلك كذلك ، فإنه لا يطعن في كون التذكّر عمل النفس فقط . مثل ذلك مثل ما يتمّ في مزيج من خمر وعسل : إن كان في المزيج حلاوة ، فإنها حلاوة العسل . أجل ، إن النفس هي التي تذكر . ولكن ما عسى أن نقول لو كان تذكّرها يعود إلى أنها في البدن ، غير طاهرة ، / وكأنها بكيف معيّن ، فيسعها آنذاك أن تتأثّر بالانطباع الذي يولّده المحسوس فيها ؟ أو لا يعود تذكّرها حينذاك إلى كونها كأنها مقيمة في البدن لتنشرح لذلك الانطباع وتردّه عمّا هو كالجري والزوال . لكن أول ما يقال في الأمر هنا هو أن هذا الانطباع ليس شيئا يقدّر بالكم . فإنه لا يشبه نقش الخاتم أو النقود ، ولا يشبه تكييف المادة بشكل وهيئة ، لأنه لا تقابله مقاومة يصطدم بها / ولا يبدو كأنه في قطعة من الشمع . بل يكون في حدوثه من نوع بالعرفان أشبه ، وذلك حتى في الأمور المحسوسة ذاتها . ففي حال العرفان ، أين الذي يوصف بأنه النقش ؟ أو لما ذا يجب في العرفان أن يكون بمعيّة البدن والكيف الجسماني ؟ فضلا على أنه لا بدّ للنفس من أن تعود إلى التحرّكات التي حدثت فيها وتتذكّرها ؛ / كأن تتذكّر شيئا اشتهته ولم تنله ، فلم ينته إلى بدنها .
فما عسى أن يقول البدن عن شيء لم ينته إليه ؟ بل كيف تلجأ النفس إلى البدن لتتذكّر ما ليس للبدن ، في فطرته وجبلته ، سبيل إلى إدراكه بوجه ما . هذا على أنه لا بدّ من القول بأنّ كل ما يجتاز البدن إنما ينتهي إلى النفس . أما ما سوى ذلك فإنه ملك النفس وحدها ، / اللهمّ إن وجب في النفس أن تكون شيئا وأن يكون لها حقيقة في ذاتها وأعمال تنفرد بها . وإذا كان ذلك كذلك ، فإنها ترغب حتما وتذكر أنها رغبت ، فتذكر أنها نجحت في تحقيق رغبتها أو فشلت ، ما دامت
تاسوعات أفلوطين — صفحة 329
مساهمون: أفلوطين
ص٣٢٩