تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاسوعات أفلوطين — صفحة 330

مساهمون:

ص٣٣٠
هي في حقيقتها ليست من الأمور العابرة التي تجري . وإن نفينا عنها ذلك ، أمسكنا عنها كل شعور بذاتها وكل تعقّب لذاتها ، ولم نعترف لها / بالتأليف بين المعاني أو بما هو كالإدراك من الباطن . ولا يصحّ القول عنها أنها ، في حقيقة ذاتها ، لا تملك شيئا ممّا لديها ، ثم تأخذه عندما تصبح في البدن . بل أنها بوسعها أن تقوم بأعمال يستلزم تحقيقها وجود أعضاء البدن . فإذا جاءت إليه كانت حاملة في جنباتها كل ما لديها ، كامنا بعضه بالقوة ، ولكن بعضه الآخر قائم بالفعل ، فاعل أفاعيله . فضلا على أن البدن يحول بين الذاكرة وبين عملها . / والدليل هو أنه إذا جمع أشياء وأفرط في وقته الحاضر أصابنا النسيان . وكثيرا ما تعود الذاكرة وتنهض إلى عملها إذا أزيلت عنه تلك الزوائد وطهّر منها . فما دامت الذاكرة شيئا منفردا ثابتا في ذاته ، والبدن شيئا متحركا يجري ، فإن البدن إنما هو سبب النسيان حتما ، وليس سبب التذكّر بحال . ولذلك قد يؤوّل نهر « الليثي » ( النسيان ) على أن ذلك البدن بالذات . / أما الوصف بالتذكّر إنّما هو وصف من أوصاف النفس . 27 ولكنه وصف أية نفس هو ؟ أهو وصف النفس إذ تكون ، في اصطلاحنا ، على أشد ما يمكن ربانية ، وهي التي تجعلنا في ما نحن عليه في صميم ذواتنا ؟ أم هو وصف الناس بالمعنى الآخر والتي تأتينا من العالم الكلي ؟ قد يجوز القول في النفسين أن لكليهما ذكريات ، بعضها تنفرد به كل منهما ، وبعضها الآخر مشترك بينهما . فإذا اتّحدتا جمعتا ذكرياتهما كلهما . وإذا انفصلتا ، وبقيتا كلتاهما ، / طالت لدى كل نفس مدة ذكرياتهما الخاصة . أما ذكريات النفس الأخرى فلا تلبث طويلا حتى تنساها . فأقل ما يقال عن شبح هرقليس في منازل الأموات ( إنه يجب علينا ، فيما أرى ، أن نعتقد في هذا الشبح أنه « نحن » فيما نحن عليه ) هو أنه يتذكّر الأعمال التي قام بها في حياته ، ما دامت تلك الحياة حياة ذلك الشبح بنوع خاص . أمّا النفوس الأخرى ، فكنّ كل منهنّ مؤلّفة من النفسين اللتين سبق ذكرهما ، / ولا غرو إن لم يكن لديهنّ هنّ أيضا مزيد يذكرنه : فإما أنهنّ أدركن أمور تلك الحياة بعد أن أصبحن نفوسا مؤلّفا كلّ منهنّ من نفسين ؛ وإما أنهنّ أدركن أمرا قد تمّ من بين الأمور التي تشملها السنّة الكونيّة . أما ما ذكره هرقليس « ذاته » أعني هرقليس منزّها عن شبحه ، فلم يرد في مقطعنا . وما عسى أن يكون ما تذكره تلك النفس الربانية إذا تحرّرت وأصبحت وحدها على حالها ؟ فإن النفس لا تزال تجرّ شيئا من البدن ، مهما كان قدره ، / إنما تذكر فقط كل ما فعله الآدمي أو انفعل به . ثم إذا تقدّم بها الزمان وانتهت إلى ساعة الموت خطرت لها ذكريات من أدوار حياتها السالفة ، فتزدري من ذكريات حياتها الحاضرة ببعضها ثم تسقطه . ولما كان تطهيرها من البدن قد ازداد آنذاك ، يسّر عليها أن تستعيد ما لم يقع في ذاكرتها أثناء وجودها في هذا العالم . ثم إذا حلّت في بدن آخر /