تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاسوعات أفلوطين — صفحة 326

مساهمون:

ص٣٢٦
البدن من النفس نصيبه ، على أن تكون الأنصبة مختلفة باختلاف الأجزاء . فكل عضو مجهّز لعمله ، على أن يكون هذا التجهيز هو الذي يضفي على العضو القوة التي توافق عمله . وإذا كان ذلك كذلك قيل عن قوة البصر أنها في العين ، / وعن قوة السّمع أنها في الأذن ، وعن قوة الذوق أنها في اللسان ، وعن قوة الشمّ أنها في الأنف ، وعن قوة اللّمس أنها في البدن كله . فإن البدن كلّا إنما يكون بمنزلة الأداة للنفس في ذلك النوع الأخير من الإحساس . لكن أدوات اللمس ثابتة في أوائل الأعصاب التي تملك القوة على تحريك / الحيوان ، ما دامت هذه القوة تمدّ من ذاتها امدادها في ذلك المحل بالذات . ولما كانت تلك الأعصاب تنطلق من المخ ، جعلوا في المخ أصل الإحساس والرغبة ، وحتى أصل الحيوان كله بوجه الإجمال ، مدّعين بأنه حيث يكون أصل الأعضاء هناك يعيّن وجود ما يستخدمها . مع أن الأحرى / بالقول هو أن هنالك أصل عمل القوة . فإن ما تنطلق منه الأداة التي من شأنها أن تتحرّك ، هو الذي يجب أن يكون بمنزلة ما تلجأ إليه قوة الصانع التي تتكيّف بتكيّف أداته . أو بالأحرى ليست القوة هي المقصودة هنا ( فإن القوة في كل جزء من أجزاء الأداة ) ، بل أصلا العمل الذي ينبعث عن هذه القوة . فإنّ أصل العمل يكون حيث يكون أصل / الأداة . ثم إنّ للنفس قدرتها على الإحساس والرغبة ما دامت هي تستطيع أن تحس وأن تتخيّل ؛ وليس فوق تلك القدرة إلّا العقل . فهي تجاور بجهتها السفلى ذلك الذي تستوي فوقه . ولذلك جعلها القدامى في ذروة الحيوان ، في الرأس . / ولا يعني ذلك أنها في المخ ، بل يعني أنها في تلك القوة الحسيّة التي تبينّا مقامها في المخ على النحو الذي سبق وصفه . فإن كان يجب في بعض النفس أن يعطي للبدن ، فعلى أن يعطي لما هو في البدن أشدّ قابلية لعمله . أما بعض النفس الآخر فإنه لا يشترك مع البدن في شيء قطّ ، ولكن يجب فيه أن يكون على اتصال مع ما يكون هو مثال النفس ، أعني النفس التي يسعها أن تدرك الانطباعات الواردة / عليها من قبل العقل . ذلك لأن قوة الإحساس هي قوة تمييز من وجه ما ، وفي قوة التخيّل ما يشبه الروحانية . أما الرغبات والميول فإنها تابعة لقوة الخيال وللعقل . ومن ثمّ فإن النفس من حيث أنها ناطقة إنما هي في المخ أيضا ، لا بمعنى أنها في مكان ، بل لأن ما هو قائم هنالك قد حظي بها . وقد ذكرنا بأي معنى « ما هو قائم هنالك » إنما هي قوة الإحساس . أمّا القوة النباتيّة التي / تكفل النمو والتغذية ، فلا تغادر قطّ جزءا من أجزاء البدن . لكنها تغذّى بالدم ، والدم المغذّى يجري في العروق ، ومنبع الدم والعروق انما هو في الكبد الذي تغترز فيه القوة النباتيّة . ولأجل ذلك ، وما دامت هذه القوة ثابتة في الكبد ، فهو الكبد الذي عيّن مقاما للقوة الشهوانية في النفس . / فإن الذي يولّد ويغذّي وينمّي ، إنما يشتهي كل ذلك لا محالة ويرغب فيه . ثم إن الدم أخيرا هو الأداة الصالحة لقوة الغضب إذا لطف وخفّ واشتدّ جريه وطهّر . فعيّن منبع الدّم وهو القلب ، على أنه المقام الملائم لتلك القوة ، إذ أنّ الدم ، وهو كما وصفنا ، إنما يفرز في القلب بوساطة غليانها .