خلاف ما يكون حضور غيره ؟ إن ما ذكرنا من الوجوه التي يوجد عليها شيء في شيء آخر لا يبدو قطّ وجه من بينها ليصح علاقة بين النفس والجسد . / غير أنه قيل عنها أنها في الجسم مثلما يكون الربّان في السفينة . وهذا قول نعم القول لدلالته على أن النفس بوسعها أن تكون شيئا مفارقا للبدن . لكنه قول لا يفيدنا كثيرا عن وجه حضورها في البدن الذي نبحث عنه هنا . فإنّ الربّان من حيث كونه راكبا إنّما يكون في السفينة عرضا . ولكن كيف يكون فيها من حيث أنه ربّان ؟ ليس في السفينة كلها / مثلما أن النفس في البدن كله . أو يجب القول في النفس أنها في البدن على نحو ما يكون الفن في الأداة التي تستخدم له ؟ أفنقول مثلا في الدفّة ، أنها لو كانت ذات نفس ، أصبحت وكأن عمل الربان في باطنها وهي آخذة في التحرّك من تلقاء ذاتها كلما انطلق الربان في صناعته ؟ فإن كان ذلك كذلك ، شتان ما بين الحالتين ، إذ أن الفن إنما يعمل من الخارج . ولنفترض النفس على قياس الربان / كامنا في باطن الدفة ، فإنها تكون في البدن آنذاك كأنها في أداة طبيعية . ويعني ذلك أنها تحرّكه في الأشياء التي تريد أن تصنعها . فهل يؤدي بنا الأمر إلى مزيد نفيده من حيث مطلوبنا ؟ ألا ، بل يبقى السؤال : « كيف تكون النفس في تلك الأداة » ؟ فها هو يعود بأشكاله . أجل ، إن وجه الإشكال هنا غيره في ما سبق ذكره . / لكنّا لا نزال ، راغبين في أن نخرج منه وأن نزداد قربا من الحل .
22 فهل يجب القول في النفس أنها إذا حضرت في البدن ، إنما تكون فيه مثلما يكون النور في الهواء ؟ الواقع هو أن في الهواء نورا مع كونه غائبا منه . إنه يجتازه بكامله ثم لا يمتزج به ، ويبقى ثابتا والهواء يجري . وإذا خرج الهواء من المكان الذي يشعّ النور فيه ، انطلق وهو / لا شيء معه من النور ، مع أنه ما دام تحت النور فالنور منتشر فيه . ومن ثمّ فالأصحّ هنا أن يقال عن الهواء أنه في النور من أن يقال عن النور أنه في الهواء . ولذلك كان نعم القول قول أفلاطون إذ لم يجعل النفس في جسم الكل ، بل جعل هذا الجسم في النفس . فقال إن الجسم ثابت في بعض النفس ، وأنه ليس له أثر في بعضها الآخر ، / يعني تلك القوى من النفس التي لا يحتاج الجسم إليها . وهذا قول يصدق على النفوس الأخرى أيضا . فيجب القول في قوى النفس أنه لا يحضر منها في البدن إلّا ما يحتاج البدن إليه . وإذا حضرت هذه القوى ، فإنها لا تحضر بمعنى أنها مقيمة في أجزاء البدن أو في البدن كله / . إن قوة الإحساس مثلا إنّما هي حاضرة في المحسّ كله إذا نظرنا إلى الإحساس في ذاته ؛ أما إذا نظرنا إلى العمل كان اختلاف القوى باختلاف الجوارح .
23 وإليك ما ذا أعني بقولي إذا انتشر نور النفس في بدن ذي نفس أصاب كل جزء من أجزاء
تاسوعات أفلوطين — صفحة 325
مساهمون: أفلوطين
ص٣٢٥