تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاسوعات أفلوطين — صفحة 20

مساهمون:

ص٢٠

نفسه / ، كأنّه ينقل عن كتاب . وإذ كان في حوار مع أحد استطاع أن يجمع بين استرساله في الحديث وانصرافه إلى ما هو فيه من نظر ، بحيث إنّه في واحد يقوم بمستلزمات الحوار ويستمرّ مستغرقا في تفكيره بالأمور الّتي كان ينظر فيها . وبعد انصراف محدّثه لا يعود إلى قراءة / ما كتب ( لأنّ نظره لا يساعده على إعادة القراءة كما ذكرنا ) بل يصله فورا بما كان يليه ، كأنّه لم تقع فترة انفصال عندما كان يتحدّث . كان إذا مع نفسه ومع غيره معا ، وما كان انتباهه إلى نفسه ليضعف / قطّ إلّا في ساعات النّوم الّذي كان يمنعه عنه أمران : قلّة الطّعام فقد كان غالبا لا يتناول خبزا ، واستغراقه المتواصل في أمور الرّوح « 33 » .

هامش
( 33 ) لقد جعلنا كلّ هذا المقطع رقم 8 بين قوسين لأنّه يبرز وكأنّه استطراد من فرفوريوس لما سبق إلى ذكره عن نفسه ، في آخر المقطع السّابع ، من أنّ أفلوطين « كلّفه بتصحيح مقالاته . فلم يكن بدّ من إيراد سبب الحاجة إلى هذا التّصحيح وهو ضعف بصر الأستاذ وعدم صبره على إعادة النّظر في كتاباته . . . » كذلك نتصوّر الأمر ، على الأقلّ ، إن اعتمدنا على أقوال فرفوريوس . لكنّه سبق إلى أن اطّلعنا في ( 2 : 15 ) على أنّ بصر أستاذه لم يشحّ إلّا في أواخر حياته وقبيل موته ، فضلا عن أنّا نعرف ، من ناحية أخرى ، أنّ « النّظّارات » لم تكن منتشرة في أيّام أفلوطين مثلما أصبحت عليه اليوم وأنّ المثقّفين كانوا يلجئون ، عندما يتقدّمون في السّنّ ، إلى من يقرأ لهم . أمّا بعد ما يذكره فرفوريوس من الهفوات في كتابة أفلوطين ، فإنّها لا تختصّ بهذا الأخير وحده ، بل تعمّ كلّ شخص آخر من مقامه . فعدم إتقان رسم الحروف مثلا هو عيب يكاد يلحق بكلّ ضليع في العلم ، يكترث بالمعنى وحسن السّبك ولا يهمّه حسن الخطّ . ثمّ إنّا نعرف ، من مراجعة المخطوطات الغربيّة ، أنّ الكلمات ذاتها لم تكن منفصلة بعضها عن بعض ، فيكف يهتمّ النّاسخ أو الكاتب أن يصل « المقاطع الصّوتيّة » بعضها ببعض . أمّا الأغلاط الإملائيّة فهي من الأمور الّتي لم يقم لها حساب مثلما هو الحال في يومنا . هذا فضلا عن أنّا نجد عند المؤرّخ اللاتينيّ سويتون) Suetone ( )ت 128 م ) الملاحظات ذاتها في عيوب من القبيل نفسها ، ينبّه إليها من أثناء مطالعاته للمخطوطات المحفوظة في مكتبة اغسطوس . فإنّ كلّ هذا الّذي ذكرناه هنا يجعلنا نتقبّل بشيء من الحذر أقوال فرفوريوس في الصّدد الذي نحن إليه ويدفع بنا إلى الظّنّ القويّ أنّ هذه الأقوال لم يكن المقصود منها سوى التّأثير فقط على الخطوة الّتي كان فرفوريوس قد نالها عند أستاذه أفلوطين . لكنّ هذا لا يعني أنّه كان يتصوّر نفسه أعظم قدرا من أستاذه في أصالة التّفكير ! فهو لا يخفي إعجابه بأفلوطين مدوّنا فكره الزّاخم « وكأنّه ينقل من كتاب » . وقد ذهب برهييه ( م . م ، ج 1 ، ص 10 ، حاشية 11 ) في هذا الصّدد إلى أن فرفوريوس قد يشير بهذا القول إلى العادة المألوفة عند الفلاسفة يومذاك أن يركّزوا حلقاتهم على النّصوص القديمة ، ولا سيّما نصوص أفلاطون وأرسطو . فأفلوطين يعتمد في ذلك كلّه على حافظته ، ومن ثمّ ما نراه في التّاسوعات من عدم الدّقّة في ذكر نصوص أفلاطون . أمّا في ما يتعلّق بنصوص أرسطو ، فإنّا لا نجد جملة قطّ واردة بحرفيّتها ، بل يكتفي منها بأن يشار إلى معناها بحدّ ذاته . وقد أسهب برهييه في شرح ذلك كلّه في مقدّمته ( ص 27 تا ، بالتّرقيم الرّومانيّ ) حيث أقام المقارنات الّتي تدلّ على موسوعيّته وسعة اطّلاعه . لكنّ هذه المقارنات لم تكن مقنعة كلّ الإقناع . فالواقع أنّ فرفوريوس يقصد هنا وصف أستاذه ، مطّلعا اطّلاعا وافيا يمتاز بحدّة في الذّكاء والصّفاء في الذّهن وحضور الخاطر في عالم المعاني . وهي كلّها صفات لم تقدّر إلّا للنادرين من عباقرة النّاس في الفكر وتاريخه . وأن يكون أفراد حلقة أفلوطين قد تنبّهوا إلى هذه المزايا لدى أستاذهم ، هو خير الدّليل على المستوى الرّفيع الّذي كانوا عليه من حيث الذّوق الفلسفيّ والمقدرة الفكريّة . على أنّا ، مع ذلك ، يجب علينا القول بأنّا لا نجد مثل تلك الأصالة والمتانة في كلّ مقاطع التّاسوعات !
تاسوعات أفلوطين — صفحة 20 | أفلوطين