10 إنّ ألمبيوس الإسكندراني أحد المدّعين بالتفلسف ، وتلميذ أمنيوس أثناء مدّة وجيزة ، كان يبادر أفلوطين بالاحتقار لأنّه كان يحبّ أن يقدّم عليه . بل انقلب عليه بحيث راح يحاول عن سبيل السّحر أن يجعله من النّجوم تحت سيّئ طالعها . فلمّا أحسّ / أنّ محاولته ترتدّ عليه أخذ يقول لخلّانه أنّ لأفلوطين نفسا هي من المناعة بحيث تستطيع أن تردّ التّعزيمات الموجّهة إليه على الّذين يريدون به شرّا . أمّا أفلوطين فكان واعيا لمحاولات ألمبيوس ، فيقول أنّ جسده حينذاك كان ينقبض على ذاته مثل صرّة تصرّ / ، فتنكمش أعضاؤه بعضها على بعض . وقد كان ألمبيوس أكثر تعرّضا لأن يصاب هو بشيء منه أن يؤذي أفلوطين ؛ فكفّ . والواقع أنّ أفلوطين كان قد فطر على شيء من التفوّق على غيره . جاء روما أحد الكهنة المصريّين / ، فتعرّف إليه بواسطة أحد أصحابه ، فأراد أن يعرض ما لديه من حكمة ، وهمّ أن يمكّن أفلوطين من مشاهدة جنّيّه الخاصّ الّذي يرافقه ، بعد استحضاره له . فنزل أفلوطين عند رغبته ، وتمّ الاستحضار في هيكل إيزيس ، وهو المحلّ الوحيد الطّاهر الموجود / في روما على حدّ قول المصريّ . فاستدعي جنّي أفلوطين للحضور عيانا فحضر رب من الأرباب ليس من الجنّ في شيء . فقال المصريّ : « طوبى لك فإنّ جنّيّك ربّ من الأرباب ، وليس الّذي يقف في جانبك من عال ملادّون » . هذا ، وما أمكن أن يلقي على المستحضر العلويّ سؤال ، وما لبث أن اختفى عن / العيان إذ كان أحد الأصحاب الحاضرين قد خنق الدّيكة الّتي كان يمسك بها ، إنا حسدا وإمّا خوفا ما . كان رفيقه إذا أقرب الجنّ إلى العالم هالألهيّ ، وما زال هو ينظر بوجه الرّبّانيّ إلى ذلك الرّفيق الأعلى . ولهذا السّبب وضع / مقالته « الجنّيّ الّذي قدّر لنا قرينا » ؛ حاول فيها أن يدلي بالأسباب التي تؤدّي إلى امتياز بعض الرفاق العلويّين عن بعضهم الآخر - . كان أمليوس محبّا للذّبائح ، فيحيي كلّ حفلة من حفلات الأهلّة ، وكلّ عيد من الأعياد السّنويّة . وقد همّ يوما أن يصطحب أفلوطين معه ، فقال له هذا : / « إنّ مجيء الآلهة إليّ أحرى من ذهابي إليها » . أمّا الفكرة الّتي دفعته إلى هذا التّباهي ، فلم نستطع أن نفهمها ولم نجرؤ على السؤال عنها « 35 » .
تاسوعات أفلوطين — صفحة 22
مساهمون: أفلوطين
ص٢٢
هامش
( 35 ) ظاهر أنّ المقطع يتعلّق كلّه بالسّحريات ، ولهذه مكانة في التّاسوعات لا ننكرها فسنعود إليها نعالجها كلّا . لكن لا بدّ من أن نتناولها هنا ببعض الإشارات ، فندع جانبا التّفاصيل المتعلّقة بالنّصّ ذاته ، إذ أنّ من شأن جلّها أن يكون تعليلات لما أثبتناه في التّرجمة ، فنستطيع أن نستغني عنها .
أمّا في ما يتعلق بالسّحريّات والجنّيّات ذاتها في عصر أفلوطين وفرفوريوس بخاصّة فيمكن للقارئ أن يعود إلى دائرة المعارف للبستانيّ ، في المقالين « اپولونيوس التياثي » ثمّ « أرسطو والأرسطيّة عند - - العرب » . وإن أراد التّعمّق في الموضوع ، فعليه بالدّراسات التالية :- E . R . Dodds , the Greeks and the irrational , 195 , 258 sq .- zeller , Philosophie der Griechen , III , 24 , 524 .- Ph . Merlan , Plotinus and Magic , Irsis 44 , 1953 .- R . Reitzentein , Die hellenistichen Mysterienre ligionen 3 . Aulf , 130 sq .- L . Thorndike a history of magic and experimental science , 1 , N - Y 1923. هذا وليس للقارئ العربيّ ذاته إلّا أن يعود إلى رسائل إخوان الصّفا ومنشورات عبد الرحمن بدوي في « أرسطو المنحول » مثلا ليتبيّن الأثر البالغ الّذي خلّفته تلك السّحريّات في تراثه بالذّات . كانت تقوم ، غالب الأحيان ، على تعزيمات موقّعة بألحان من شأنها ، في اعتقادهم ، أن تجعل الإنسان تحت تأثير قوى الأفلاك . ولم يعترف بالمناعة عن ذلك التّأثير إلّا لمن كانوا يتصوّرون في مصاف الأولياء ، والفلاسفة منهم ، وهي ظاهرة يحاول أفلوطين ذاته ( 4 ، 4 ، 44 ) أن يعلّلها بتأويل وضعيّ يستسيغه العقل البشريّ . ومن هذا الوجه ينظر إليها فرفوريوس ، في مقطعنا هنا ، في علاقتها بأفلوطين . على أنّ الأصل الّذي تردّ إليه كلّ تلك التعزيمات والمناعة منها إنّما هو تصوّر البطل أو الواليّ مقرونا برفيق أعلى هو شيطان أو جنّي . كذلك كانوا يتصوّرون لفيثاغورس مثلا « ربّا أو طبيّا » أو على الأقلّ « جنيّا مقيما في الفلك » ( راجع يمبليخوس ، حياة فيثاغورس ، 30 ) .
وأيّا كان الأمر ، فإنّ أفلوطين ذاته لم ينج من كلّ تلك التّصوّرات الأسطوريّة ، وهو ينظر إليها ، من خلال خلفيّاته ، واقعا راهنا يحاول أن يؤوّله من زاوية فلسفيّة وضعيّة يقصد منها توجيه مريده أو تلميذه إلى تطهير باطنه وتعميره . وبهذا المعنى يجب تأويل قوله في الذّبائح الّتي يدعوه صديقه أمليوس إلى أن يقرّبها إلى الآلهة . فإنّه يرى تلك الذّبائح مجرّد حركات وش عائر لا معنى لها ، بل يحظّر منها ويستبدلها بما من شأنه أن يبرز الإنسان في حقيقته الكاملة ، وهي كونه مقام الألوهيّة وهيكلها . وقد وصلنا من تلميذه فرفوريوس اثار تثبت لنا أنّ هذا الأخير قد تقيّد بتعليم أستاذه من هذه النّاحية ، فكان منه خير الخلف لخير السّلف . راجع في هذا الموضوع ، من فرفوريوس ذاته ، « الرّسالة إلى مرسّلا ( فصل 14 - 16 ) و « في الانقطاع على أكل اللحوم » عندVie de Porphyre 'J . Bedez1964 الفهرست .