تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاسوعات أفلوطين — صفحة 322

مساهمون:

ص٣٢٢
لما كانت النفس لتلازمه ، حتى وإن وصفت بأنها حاضرة فيه دائما . / بل إنها تمدّه آنذاك بالحياة وتبقي هي في الملأ الأعلى على وجه الإطلاق . 18 ترى هل تلجأ النفس إلى الرويّة والتفكير قبل قدومها إلى الجسد ثم بعد خروجها منه ؟ ألا إن التروّي يطرأ عليها أثناء إقامتها في هذا العالم إذ أنها آنذاك في حال التردّد ، يملك قلق البال عليها أمرها وهي من العجز في منتهاه . فإن الحاجة إلى التفكير نقص لدى الروح من حيث اكتفاؤه بذاته . فيتردّد مثلما يتردّد صاحب الصناعة / وقد اعتاصت صناعته عليه . فإذا زالت الصعوبة قبض الفن عليه وفعل أفاعيله . ولكن إن لم يكن في الملأ الأعلى للنفوس تفكير ، فكيف يكنّ ناطقات ؟ قد نجيب عن ذلك : فإنهنّ ، إذا اقتضى الأمر ، يسعهنّ البحث وتدقيق النظر . على أنه يجب في التفكير آنذاك أن يكون على المعنى الذي وصفناه به . فإذا عنينا بالتفكير / حالة يحدثها الروح دائما فتكوّن في النفوس عملهنّ الثابت وكأنه ظهور الروح فيهنّ ، فلا مانع من أن يكنّ لاجئات إلى التفكير ولو كنّ في عالم الروح . كما أنه ، فيما أرى ، لا يجب الاعتقاد في النفس أنها تلجأ إلى الصوت في نطقها إذا كانت في الملأ الأعلى منزّهة عن الجسمية ، أو مع جسمها كاملا . فإنما الحاجات المعاشية والأمور التشبيهية / عليهن هي التي تضطرهنّ إلى النطق الصوتي في العالم الحسي ، وليس لذلك في الملأ الأعلى مجال . فإن النفوس هنالك يقمن بكل عمل من أعمالهنّ مقيّدات بنظام ، مسترسلات مع الفطرة ، ولا يصدر عنهنّ أمر أو نصيحة ، ويعرفن ما بينهنّ عن طريق الملابسة من الباطن . ولا غرو ما دمنا نعرف الكثير ممّا لدى الصامت من نظره ، حتى في هذا العالم . فناهيك بما يجري في الملأ الأعلى حيث الجسم ظاهر كله ، وكل شيء في ذاته نظر ، / فلا تورية ولا تمويه . بل سرعان ما يدرك غيرك الشيء ولم تفصح أنت عنه . أما الجن والنفوس المنتشرات في الهواء ، فليس من المستحيل أن يلجئوا إلى النطق الصوتي ، إذ أن ما كان من هذا النوع إنما هو حيوان . 19 هل يحلّ الجانب المتجزّئ من النفس وما لا يتجزّأ منها محلّا واحدا فيها ، فكأنهما ممتزجان ؟ أم أن النفس من حيث أنها لا تتجزّأ تختلف عنها متجزّئة وجها ومعنى ، فيغدو المتجزّئ منها آنذاك كأنه المتأخّر لديها غير ما يكون جانبها الذي لا يتجزّأ . فمثل ذلك مثلما نقول فيها إنها ناطقة غيرها صمّاء ؟ هذا أمر يعرف إذا ما أدركنا ما ذا نعني بكل / الطرفين . فإنّ أفلاطون يذكر ما لا يتجزّأ من النفس بحدّ ذاته وبقول مرسل . ولكنه لا يقول فيها إنها متجزّئة ، بل إنها « تصير متجزّئة بتجزّؤ الأجسام » . يجب أن نتبيّن في الجسم ذاته إذا ما هو جانب النفس الذي يحتاج إليه ، وأي شيء من النفس يجب فيه أن يكون حاضرا في الجسم ، منبثّا في جميع